منذ ما يقرب من شهر تقريباً، وفي ذروة الحرب الإيرانية ظهرت اجتهادات تتحدث عن مشابهة وضع لبنان من هذه الحرب بوضع إقليم كردستان العراق، من منظور أن كلاً من البلدين يواجه «حرباً مفروضة» وأن مقدراته ومستقبله أضحى مرهونان بما سوف تؤول إليه الحرب الإيرانية الراهنة، لكن تطورات الأسابيع الماضية، وبالتحديد منذ أن قرر «حزب الله» المشاركة إلى جانب إيران، تجاوز الوضع اللبناني كثيراً حدود معاناة إقليم كردستان العراق وحكومة أربيل، خصوصاً بعد تطورين مهمين أولهما: التعهد الذي قطعته القيادة الإيرانية على نفسها ب «شمول لبنان في أية صفقة تنهي الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل». وثانيهما، ربما يكون نتيجة للأول وبالتوازي مع تصعيد «حزب الله» ضرباته شمال إسرائيل، هو تعمد قيادات «حزب الله» تصعيد الخطاب السياسي في مواجهة السلطات اللبنانية، «متوعدين بأداء جديد بعد انتهاء الحرب».
هذان التطوران كانت لهما تأثيرات كبيرة في عرقلة تقدم ما جرى ترويجه بأنه «مبادرة فرنسية» لوقف الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، وإفشال دعوة الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون للتفاوض مع إسرائيل.
موقع «أكسيوس» الأمريكي كان قد كشف نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، عن أن الحكومة الفرنسية صاغت مقترحاً لإنهاء الحرب على لبنان، يتضمن خطوة غير مسبوقة تتمثل في اعتراف الحكومة اللبنانية بإسرائيل، مشيراً إلى أن كلاً من تل أبيب وواشنطن تقومان بمراجعة هذا المقترح، الذي ينص على بدء مفاوضات إسرائيلية- لبنانية، برعاية أمريكية- فرنسية، للتوصل إلى «إعلان سياسي» خلال شهر واحد، على أن تبدأ المفاوضات على مستوى كبار الدبلوماسيين قبل أن تنتقل إلى مستوى القادة السياسيين والخبراء.
ونص المقترح على بنود مهمة من أبرزها التزام الطرفين بقرار مجلس الأمن الدولى رقم 1701، الذي أنهى حرب يوليو/تموز عام 2006، واتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، كما ينص المقترح على التزام الحكومة اللبنانية بمنع أي هجمات ضد إسرائيل، انطلاقاً من أراضيها، وإعادة انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني مقابل انسحاب إسرائيل، خلال شهر، من الأراضي التي احتلتها منذ بداية الحرب الحالية، على أن تشمل المرحلة الأخيرة ترسيماً للحدود بين إسرائيل ولبنان، وكذلك بين إسرائيل وسوريا على أن يتم إنجاز ذلك بحلول نهاية عام 2026 الحالي.
أما الرئيس اللبناني جوزيف عون فكان قد طرح مبادرة تتضمن 4 نقاط أساسية تبدأ بإعلان هدنة تمهيداً لفتح باب المفاوضات حول عدد من القضايا الأمنية والعسكرية، بينها انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، ومسألة سلاح «حزب الله».
تطورات الحرب الإيرانية، واستعادة «حزب الله» لقدراته العسكرية حفزه وحلفاءه على رفض مقترح الاعتراف اللبناني بإسرائيل مقابل وقف الحرب، خاصة مع رهانات الحزب «أن الحرب ستأتي بتطورات إيجابية تغير من قواعد الاشتباك في غير صالح إسرائيل».
وإذا كان تصلب حزب الله قد عرقل تقدم «المبارة الفرنسية» فإن الإصرار الإسرائيلي على التوسع في الأراضي اللبنانية، وطرح شروط ومطالب تتضمن إصراراً إسرائيلياً على فرض «سلام القوة» على لبنان، كان هو الآخر سبباً قوياً في تراجع تلك المبادرة الفرنسية والدفع بلبنان ومستقبله كرهينة للتطورات الملتبسة للحرب الإيرانية.
ما نشره موقع «أكسيوس» الأمريكي، حول إصرار إسرائيل على ضرورة أن يسبق المفاوضات «إعلان نوايا لبناني» بالاعتراف بإسرائيل وسيادتها ووحدة أراضيها، في الوقت الذي لم يتلق فيه لبنان أية ضمانات أمريكية بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، الأمر الذي أكد جدية هذا الاستنتاج.
وإذا كان وزير المالية الإسرائيلية بتسلئيل سموتريتش قد أعلن في ذروة تصعيد الحرب على إيران أن إسرائيل ملتزمة بأن يكون نهر الليطاني هو «خط الحدود الأمنية الجديد» في نهاية هذه الحرب، وإن هذا الأمر «ليس مجرد هدف عسكري، بل وعد لمواطنينا»، فإن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب أعد دراسة توجيهية تخص مستقبل عملية «زئير الأسد» الحالية، التي هي عنوان الحرب على إيران تنطلق من فرضية أن الحرب الراهنة ستنتهي ب «إضعاف حزب الله وتدهور القدرات الإيرانية» طالب فيها السلطات الإسرائيلية ب «ألاّ تغرق في حملة عسكرية طويلة الأمد مع لبنان»، وأن تسعى بدلاً من ذلك إلى «تهيئة الظروف لترتيب أمني جديد مع لبنان يتمحور حول الاتفاق على نزع سلاح (حزب الله) بالتوازي مع إصلاح الجيش اللبناني ليصبح قادراً على مواجهة هذا الحزب».
تعقيدات من الجانبين لم تُفشل فقط المبادرة الفرنسية، لكنها علّقت مستقبل لبنان كله، وليس فقط «حزب الله» على ما سوف تؤول إليه الحرب الراهنة مع إيران، وما إذا كانت المفاوضات ستؤدي إلى سلام حقيقي.