عندما أمر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بالمشاركة مع وزير دفاعه يسرائيل كاتس، الجيش الإسرائيلي بمهاجمة بيروت وضاحيتها الجنوبية، ما أدى إلى حركة نزوح خاصة مع تواصل القصف الإسرائيلي على مدن وقرى وبلدات الجنوب اللبناني، كان السبب الإسرائيلي المعلن، وفقاً لبيان نتنياهو وكاتس، هو الرد على انتهاكات متكررة لوقف إطلاق النار في لبنان من جانب «حزب الله».
للوهلة الأولى لم يصدق أحد هذه المزاعم، لكن تزامن هذا التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان مع ما أخذ يتردّد في الصحافة الإسرائيلية عن الاتفاق الذي يجري الحديث عنه لوقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والذعر الذي أصاب دوائر صنع القرار الإسرائيلي، وفق ما كشفته تحليلات الصحافة والإعلام الإسرائيليين، تؤكد أن التصعيد الإسرائيلي في لبنان وتوسيع التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، ثم احتلال «قلعة الشقيف» التاريخية، له أسباب أخرى شديدة الأهمية، من أبرزها، بالطبع، إفشال هذا الاتفاق الذي يراه الإسرائيليون يصب في مصلحة إيران، ويهدد الأمن والمصالح الإسرائيلية، والطموح للعودة مجدداً بقرار أمريكي إلى «سيناريو الحرب» ضد إيران لتحقيق الأهداف التي لم تتحقق بعد من الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على ايران، وخاصة التدمير الكامل للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وقطع أواصر العلاقة بين ايران و«حزب الله».
من هذه الأسباب أيضاً، ما يسميه الإعلام الإسرائيلي ب«سلخ» الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان من مشروع الاتفاق الأمريكي - الإيراني، ومنها أيضاً جعل لبنان مكسباً إسرائيلياً خالصاً تصول وتجول فيه إسرائيل، بحيث يكون لها الكلمة العليا، والوصاية على القرار اللبناني مقابل التوقيع الأمريكي على هذا الاتفاق.
التصعيد الإسرائيلي في لبنان يستهدف تفريغ الموقف التفاوضي الإيراني الذي يربط بين وقف الحرب على الجبهة الإيرانية بوقف الحرب في لبنان من مضامينه، حرصاً على نزع أيّ دور إيراني مأمول في لبنان، وقطع التواصل بين إيران وحزب الله، ومن هنا يجيء الترويج الإسرائيلي لمحصلة ضغوط مهمة تقوم بها إسرائيل على الرئيس الأمريكي، وإدارته، ومن بينها التأكيد أن التفاهمات الإسرائيلية - الأمريكية تنصّ على «حق إسرائيل في حرية التحرك» في مواجهة «حزب الله»، وأن الجيش الإسرائيلي سيبقى في المناطق التي احتلها في الجنوب اللبناني، والبالغة مساحتها نحو 600 كيلو متر مربع، وتمتد في عمق يصل إلى 10 - 15 كيلومتراً عن الحدود بين البلدين، إضافة إلى قبول أمريكي لاحتفاظ إسرائيل ب25 موقعاً عسكرياً في عمق الجنوب اللبناني إلى حين تتكلل المفاوضات الإسرائيلية - اللبنانية بالنجاح، وأن نتنياهو شدّد، خلال محادثاته مع ترامب، على أن «إسرائيل ستحافظ على حرية عملها ضد التهديدات على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، وأن ترامب «كرر دعمه لهذا المبدأ».
هذه المطالب والضغوط الإسرائيلية على الرئيس ترامب وادارته، هي في حد ذاتها تعبير عن الشعور بالخطر العميق إذا اختار الرئيس الأمريكي أن يقبل بالشروط الإيرانية، وفي مقدمتها الربط بين وقف الحرب على الجبهة الإيرانية وبين وقف الحرب في لبنان على نحو ما كتبه المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» العبرية، عاموس هرئيل، من أن الاتفاق الذي يجري الحديث عنه بين الولايات المتحدة وإيران، إذا تم توقيعه «يُعبّر عن انسحاب أمريكي ضخم من الحرب التي اندلعت، وهو يعكس أيضاً أفول التأثير الإسرائيلي في خطوات ترامب» واختتم هرئيل مقاله بعبارة عميقة الدلالة قال فيها: «يبدو أن الرئيس قرر أخيراً أن يقرر». والمعنى هنا أنه قرر مضطراً الرضوخ للأمر الواقع، والقبول بما تريده إيران.
خلفيات هذا الاضطرار بالقبول ب«الأمر الواقع» وهو أن «الولايات المتحدة باتت عاجزة عن كسر إيران» كما أفصح المؤرخ والكاتب الأمريكي المحافظ روبرت كاغان في مجلة «ذا أتلانتيك» بقوله إن الولايات المتحدة «منيت ب(هزيمة لُعبة شطرنج) أمام إيران». ووفقاً لكاغان: «لقد سُجلت خسارة استراتيجية، وسيكون من الصعب تداركها أو تجاهلها»، كما شدّد كاغان على مسألة السيطرة على مضيق هرمز، وأكد أن المضيق «لن يبقى مفتوحاً كما كان، وإذا سيطرت إيران عليه تصبح لاعباً رئيسياً في المنطقة والعالم».
متابعة القيادة الإسرائيلية لمثل هذه التحليلات، والذعر المترتب عليها، يشكل الخلفية الحقيقية لحالة الجنون التي تسيطر على القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، خشية أن تخسر إسرائيل كل شيء، ومن هنا يأتي التوجه نحو لبنان لجعله «رهينة» لوقف تداعي الخسائر الإسرائيلية، تحسباً لتطورات يرى الإسرائيليون أنها أضحت خطرة في ضوء التحذير الإيراني بإخلاء كامل شمال إسرائيل، رداً على التهديد الإسرائيلي بقصف بيروت والضاحية الجنوبية، وتجاوب الرئيس ترامب لهذا التحذير الإيراني، وضغوطه على نتنياهو لوقف خطة القصف. هذا التجاوب من الرئيس الأمريكي هو أكثر ما يقلق إسرائيل، ومن هنا كان قرار وضع لبنان رهينة للأحداث المتسارعة بين إيران والولايات المتحدة.
[email protected]
السؤال الذي أخذ يتردد، ليس فقط في أوساط دوائر صنع القرار الأوروبي، بل وأيضاً على المستويات السياسية والشعبية منذ عهد الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول وحتى الآن عن: هل تستطيع أوروبا وحدها أن تؤمّن كل احتياجاتها الأمنية بعيداً عن الدعم الأمريكي، أو خارج إطار حلف شمال الأطلسي؟. فقد انقسم الأوروبيون في الإجابة عنه بين من يؤيد الانفصال الأمني الأوروبي عن الولايات المتحدة والمظلة الأمنية الأمريكية، وبين من يرفض دعوة التأسيس لـ «استراتيجية أمنية أوروبية مستقلة»، ولا يرى أي مستقبل أمني أوروبي مستقل عن المظلة الأمنية الأمريكية.
هذا الانقسام أخذ يتراجع تدريجياً في ظل ما أخذ يدركه الأوروبيون من إهانات وإذلال من جانب أمريكا، وتهديدات بالانسحاب من حلف الأطلسي منذ الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب، وأخذ يتفاقم في الولاية الثانية الحالية، وتصاعد إلى إصدار قرارات أمريكية بتخفيض الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، رداً على ما صدر من مواقف لدول أوروبية رفضت قبول الانخراط في الحرب على إيران، فقد وصف الرئيس ترامب حلف «الناتو» بأنه «نمر من ورق»، معتبراً أن مسألة خروج الولايات المتحدة من «معاهدة الدفاع المشترك» أصبحت الآن «أكثر من مجرد إعادة النظر»، أما وزير دفاعه بيت هيغسيث فقد اعتبر حلف الناتو أنه «ليس له قيمة حقيقية»، موضحاً أن ذلك يرجع إلى أن «الدول التي تضمه غير مستعدة للوقوف إلى جانبك عند الحاجة».
هذا التجريح الأمريكي تصاعد في الأسابيع الأخيرة، فقبل توجهه بوقت قصير إلى اجتماع لحلف الناتو في السويد، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن عضوية الولايات المتحدة في أي تحالف «يجب أن تكون ذات منفعة لها، وأن إحدى المنافع الأساسية من حلف الناتو تتمثل في القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا، إذ تتيح هذه القواعد للولايات المتحدة نشر قواتها العسكرية خلال أي أزمة في الشرق الأوسط أو في أماكن أخرى».
وقبل يومين من هذه التصريحات كانت وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) قد أعلنت خفض عدد ألوية القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا من أربعة إلى ثلاثة، في ظل ضغوط واشنطن المتواصلة على القارة الأوروبية لتعزيز دفاعاتها.
اللافت أن الانقلاب الأمريكي على أوروبا امتد أيضاً إلى كندا، خاصة في أعقاب مشاركة رئيس الوزراء الكندي في القمة الثامنة لـ «المجموعة السياسية الأوروبية» التي عقدت للمرة الأولى في العاصمة الأرمينية «بريفان» ، وهي المجموعة التي تضم كل الدول الأوروبية باستثناء روسيا وبلاروسيا، فقد قررت الولايات المتحدة تعليق تعاونها مع كندا في هيئة استشارية مشتركة تعنى بالشؤون الدفاعية، أُنشئت قبل 86 عاماً، هي «مجلس الدفاع المشترك الدائم»، في أحدث فصول التوتر الذي يسود العلاقات بين البلدين الجارين، منذ أن أعلن الرئيس ترامب عزمه على ضم كندا إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية رقم 51.
هذا التصعيد في التوتر تفاقم، خاصة بين الولايات المتحدة وأوروبا على نحو ما أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن الدول الأوروبية «تعمل على خطة طوارئ لضمان حماية القارة بالقدرات الذاتية في حال انسحاب واشنطن من (الناتو)»، مشيرة إلى أن هذه الخطة «تكتسب زخماً متزايداً بعد حصولها على دعم ألمانيا»، وأن هذه الخطة الاحتياطية «تستهدف ضمان قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها باستخدام الهياكل العسكرية المتاحة للناتو في حال قررت واشنطن سحب قواتها أو الامتناع عن تقديم المساعدة».
الانخراط الألماني في هذه الخطة ودعمها يأتي في ذروة التصعيد في الخطاب الســياسي الألماني مع الولايات المتحدة، وعلى لسان مستشارها فريدريش ميرتس، وما ترتب عليه من أزمة دبلوماسية تجاوزت كثيراً «العلاقات الدافئة» بيــن ميرتس والرئيس الأمريكي، بعد أن صرح ميرتس بأن الإيرانيين «يذلون الولايات المتحدة في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب»، وأن القيادة الإيرانية «تتلاعب بالولايات المتحدة وتجبر الأمريكيين على السفر إلى باكستان ثم المغادرة دون نتائج»، في توبيخ غير معتاد بشأن الصراع المتفجر مع إيران، الأمر الذي دفع بالرئيس الأمريكي إلى أن يصف المــــستشار الألماني بأنه «لا يفقه ما الذي يتحدث عنه».
الشرخ أخذ يتسع أكثر بين أوروبا والولايات المتحدة منذ أن لوّح الرئيس الأمريكي بسحب أو خفض القوات الأمريكية من ألمانيا، ثم من إسبانيا وإيطاليا، رداً على مواقف أوروبية رافضة أو متحفظة على الحرب مع إيران، والسبب الأساسي في هذا «الشرخ» الآخذ في الاتساع هو تنامي إدراك أوروبي بأن هذا التهديد بسحب وتخفيض القوات الأمريكية في أوروبا «يُحَوِّل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا من ركيزة استراتيجية للردع إلى أداة ضغط سياسية،وإلى ورقة عقابية ضد حكومات ترفض الانصياع للرغبات الأمريكية».
تنامي هذا الإدراك من شأنه أن يعمق الشرخ بين الطرفين ويُفَرِّغ مضمون «التحالف»، الذي يحكم علاقات دول الناتو، من مضامينه الحقيقية، ويدفع أوروبا أكثر نحو الانخراط في صيغة أمن أوروبي مستقل عن واشنطن.
كان لافتاً أن يتوجه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إلى نظيره الصيني شي جين بينغ، في حفل استقباله بقاعة الشعب في بكين، الأسبوع الماضي، ويخاطبه بالقول: «إن القوتين العظميين سيكون لهما مستقبل رائع»، و«إنه شرف لي أن أكون معكم.. إنه شرف لي أن أكون صديقكم، وستكون العلاقات بين الصين والولايات المتحدة أفضل من أيّ وقت مضى».
هذا الاستهلال الأمريكي للزيارة قدم إجابة مبكرة للسؤال المهم الذي فرض نفسه، قبل هذه الزيارة وبعدها، وهو: ماذا حققت القمة من نتائج. هل الأبّهة التي ذهب بها ترامب إلى بكين كانت لها أصداؤها العملية في حسم قضية الزعامة الأمريكية الأحادية للعالم؟
ترامب حسم هذه القضية، ربما للمرة الأولى، رسمياً. فعلى المستويين، البحثي والأكاديمي، كثُرَت الدراسات والقراءات عن تردّي «المكانة الأمريكية»، و«أفول العصر الأمريكي»، لكن هذه هي المرة الأولى التي يعترف فيها رئيس أمريكي، منذ نهاية الحرب الباردة، بأن الولايات المتحدة لم تعد القوة العظمى الأحادية في العالم، وأن الصين أضحت قوة عظمى أخرى يحرص على صداقتها.
هذه هي أهم إجابة عن سؤال: ماذا حققت زيارة ترامب للصين؟ وكان المفترض أن يأتى تعليق الزعيم الصينى شي مسايراً لهذا الاعتراف، وأن يُسرف فى إظهار سعادته بذلك، لكن اللافت أكثر أنه كان يطمح إلى أن تكون الصين قوة عظمى على رأس زعامة النظام العالمي.
فقد ردّ شي على اعتراف ترامب بقوله: «إن الصين والولايات المتحدة يجب أن تكونا شريكتين لا خصمين»، مشيراً إلى أن هذه الزيارة تأتي «والعالم أمام مفترق طرق». لم يكتف شي بذلك، لكنه حذّر ترامب من نشوب صراع بين بلديهما إذا أُسيء التعامل مع قضية تايوان، مؤكداً أن «قضية تايوان هي أهم قضية في العلاقات الصينية - الأمريكية»، مضيفاً «إذا تم التعامل معها بشكل خاطئ قد يتصادم البلدان، أو حتى يدخلان فى صراع، ما يدفع العلاقات الصينية - الأمريكية برمّتها الى وضع شديد الخطورة».
ترامب لم يرد على هذا التحدّي، لكنه استجاب لتحذير شي، وحذّر بدوره حكومة تايوان من التورط في خيار «إعلان الاستقلال الرسمي»، تحاشياً لصدام أضحى مؤكداً مع الصين، إذا نفّذَت تايوان هذا الاستقلال، أو حتى أعلنته. وزاد ترامب على تحذيره لتايوان أنه «لم يتخذ بعد قراراً بشأن بيع الأسلحة الأمريكية لتايوان». وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» سُجلت له قبل مغادرته بكين، قال ترامب: «لا أريد أن يعلن أحد الاستقلال»، مضيفاً: «لا نريد أن يقول أحد (دعونا نعلن الاستقلال لأن الولايات المتحدة تدعمنا)»، وقال: «وكما تعلمون يُفترض أن نقطع 9500 ميل لخوض حرب.. أنا لا أبحث عن ذلك».
الواضح من تصريحات ترامب أن الزعيم الصيني هو من فرض قواعد اللعبة على ترامب، وأن استجابة ترامب جاءت فورية وعلى الأرض الصينية، وقبل مغادرتها.
المعلومات المتسربة عن جلسات المحادثات كانت ضئيلة، لكن ما جرى تسريبه يؤكد هذا الاستنتاج، سواء ما ورد على لسان ترامب بخصوص تايوان، أو ما نُسب الى الزعيم الصيني بخصوص إيران، وبخصوص الزعامة الصينية، وبخصوص روسيا، وبالذات ما يتعــلق بما نسب إليه بقوله إن «الصين هي القوة العظمى الآن.. لكننا دولة سلام، لا ننهب الذهـــب ولا نسرق النفط من بلاد ليست لنا». قد يكون فى هذا الكلام بعــض المغالاة، وأنه لم يرد مباشرة على لسان شي، لكن ما يخص إيران ليس مستبعداً وبالتحديد قوله: «إيران.. حـــليف ســـــنظل نحترمه ونقدّره، وأن الحرب يجب أن تنتهي». أما ما يتعلق بعلاقة الصين مع روسيا وطـــــموح ترامـــب إلى أن توقف الصين دعمها لروسيا، فقد جاء الرد حاسماً عندما استقبل الزعيم الصيني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يومى الثلاثاء والأربعاء الماضيين، في زيارة رسمية جاءت بعد مرور أربعة أيام فقط، من مغادرة ترامب للعاصمة الصينية. هذه الزيارة وصفت بأنها «تهدف إلى تنسيق السياسات المشتركة وتعزيز الشراكة الاستراتيجية المتميزة». واستبق الناطق باسم الخارجية الصينية الزيارة بـ«تأكيد أهمية مناسبة الزيارة التي تتزامن مع مرور ثلاثة عقود على تطوير الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وقال «إن العلاقات الصينية - الروسية تسهم إسهاماً مهماً في الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجى العالمى والعدالة الدولية».
ما لم يُطرح بوضوح خلال زيارة بوتين هو رؤية شي جين بينغ لروسيا من المنظور الاستراتيجي، هل روسيا مجرّد قوة استراتيجية كبرى وشريك استراتيجي للصين، أم هي قوة عظمى ثالثة ضمن طموح التعدّدية القطبية التي كانت، وما زالت، طموحاً روسياً - صينياً هدفه إسقاط الزعامة الأحادية الأمريكية، وفرض التعدّدية القطبية كبديل استراتيجى عالمي.
سؤال حتماً سوف تتكشف إجابته في إطار تفاعلات الدور الصيني العالمي، وقدرته على فرض قواعد لعبة جديدة للعلاقات الدولية.
ربما يكون السؤال الذي ظل مسيطراً على فكر وخواطر الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، وهو في طريقه من واشنطن إلى بكين، للمشاركة في قمة أمريكية – صينية، مع الزعيم الصينى شي جين بينج، هو: هل هذا هو الموعد المناسب للقيام بهذه الزيارة إلى الصين ولقاء زعيمها؟ السؤال له خلفيته، وهو أن هذه الزيارة كان مقرراً لها أن تتم فى الفترة من 31 مارس/ آذار الماضي، إلى الثاني من إبريل/ نيسان، لكن هذا الموعد كان يتزامن مع ما كانت تشهده الحرب على إيران، وكان الرئيس الأمريكي يجاهد لتحقيق نصر كبير في هذه الحرب، ما جعله يعتذر عن تلبية الزيارة في موعدها المحدّد.
سؤال ترامب عن رجاحة الموعد من عدمه سببه أن ترامب يذهب إلى الصين، وعلى نحو ما يؤكد كبار الخبراء الأمريكيين وغير الأمريكيين، وهو في أسوأ حالاته، مقارنة بحال الزعيم الصيني، ومقارنة بحاله في الموعد السابق للزيارة، قبل أن تصل هذه الحرب إلى أسوأ تعقيداتها وتأثيراتها.
صحيفة «نيويورك تايمز» كانت من أبرز من تصدى لهذه المفارقة التي تواجه الرئيس الأمريكي في زيارته الحالية، في تقرير كتبه ديفيد بيرسون وبيري وانغ من هونغ كونغ التي كتبت في هذا التقرير عن «سوء حظ ترامب» وقالت إن ترامب كان ينوي، في الأصل، زيارة الصين، بهالة المنتصر في الحرب على إيران، على أمل أن يتمكن من زيادة الضغط الصيني على طهران، لكن مع وصول الصراع مع إيران إلى طريق مسدود، وتوقف الحملة العسكرية تقريباً من دون الظفر بنصر معتبر، فهو لن يكون قادراً على إظهار الغطرسة التي يتعهدها في لقاءاته مع غيره من الزعماء، سواء الأصدقاء منهم، أو غيرهم.
هذا التحسب غير المتفائل بخصوص غطرسة الرئيس الأمريكي، وقدرته على إملاء الشروط، جرى توظيفه لتقديم قراءات استشرافية للنتائج المحتملة من هذه القمة، انطلاقاً من رؤية تقول إن ترامب لا يملك أية أوراق لإملاء الشروط، بل هو حريص على الحصول على أكبر مكاسب اقتصادية من الصين، من دون تورط في الاعتبارات الاستراتيجية التي ليست في مصلحة الولايات المتحدة، على نحو ما أفادت «آن كيلي»، النائبة الأولى للمتحدثة باسم البيت الأبيض التي صرحت، تعليقاً على الزيارة، بأن ترامب سيركز على «إعادة التوازن في العلاقة مع الصين، ومنح الأولوية لمبدأ المعاملة بالمثل والإنصاف من أجل استعادة الاستقلال الاقتصادي للولايات المتحدة» وزادت بقولها: «يمكن للشعب الأمريكي أن يتوقع أن يبرم الرئيس اتفاقات جيدة إضافية لمصلحة بلادنا».
تعليق «آن كيلي» لافت وشديد الخطورة بأنه يعني أن الرئيس الأمريكي لم يعد بمقدوره أن يتحدث بصفته رئيس القوة العظمى الأحادية في العالم، القادر على إملاء الشروط من دون مناقشات، وهذا ما فهمته القيادة الصينية التي يبدو أنها أعطت تعليمات صارمة بعدم طرح رؤى أو أفكار استفزازية للرئيس الأمريكي، بخاصة في الأبعاد الاستراتيجية التي وضعت الصين في موقع القوة القادرة على فرض الشروط في ضوء مآلات الحرب الأمريكية على إيران، والعمل قدر الإمكان على «استمالة» الرئيس الأمريكي وتشجيعه للاستجابة للمطالب الصينية.
من هنا جاء البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية على لسان المتحدث الرسمى باسم الوزارة، والقائل بأن بكين ستسعى إلى ضمان «مزيد من الاستقرار» في العلاقات الدولية خلال قمة «شي – ترامب».
وعلى الرغم من ذلك يشكك خبراء في أن الصين ستكون حريصة على تجنيب الملف الإيراني «عن أجواء المحادثات»، أو أنها «لا ترغب في الانخراط فيه بقوة»، لأن هذا الملف تكمن فيه مصادر القوة الحقيقية في أوراق التفاوض الصينية مع الرئيس الأمريكي، إلى جانب ملف «المعادن النادرة» التي تتحكم الصين في إنتاجها وتجارتها، ومن دونها لاتستطيع الولايات المتحدة مواصلة انخراطها في الثورة الصناعية الرابعة.
هذه النقطة بالذات شغلت الإعلام الأمريكي، والغربي عموماً، حيث تعامل هذا الإعلام مع ملف «الحرب على إيران» باعتباره يُشكل الخلفية الجيو- سياسية الأكثر تأثيراً في قمة ترامب مع الزعيم الصيني التي تكتسي طابع اختبار أوسع لموازين القوة والنفوذ العالميين، على نحو ما أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، على الرغم من أن جدول أعمال القمة يركز على التجارة والتكنولوجيا والاستثمارات والرسوم الجمركية.
تحليلات كثيرة ترى أن الحرب على إيران حولت ما كان يمكن أن يكون «قمة أمريكية – صينية تقليدية» إلى اختبار أوسع لموازين القوة والنفوذ في العالم. فترامب وصل إلى بكين «ساعياً إلى مخرج من حرب مكلفة أربكت الاقتصاد العالمي، عكس حال الزعيم الصيني الذي سيسعى إلى استثمار صعوبات واشنطن لتعزيز النفوذ السياسي للصين، مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع إيران».
استخلاص دقيق يقدم أرضية صالحة لاستشراف النتائج المحتملة من هذه القمة.
السؤال الذي يشغل العراقيين منذ اختيار قوى «الإطار التنسيقي» الذي يُعتبر الكتلة الانتخابية الأكبر في البرلمان العراقي، علي فالح الزيدي رئيساً للحكومة العراقية الجديدة بتكليف من نزار آميدي رئيس الجمهورية الجديد هو: هل الأزمة التي تواجه الزيدي في مهمة تشكيل الحكومة الجديدة بسبب صراع الأحزاب والقوى السياسية العراقية وعلى رأسها أحزاب وقوى «الإطار التنسيقي» على تقاسم الحقائب الوزارية يمكن أن تتحول مجدداً إلى «انسداد سياسي» على نحو الانسداد الذي عطل لأشهر مهمة اختيار رئيس الجمهورية ومن ثم مهمة اختيار رئيس الحكومة؟
الإجابة عن هذا السؤال ذات شقين، الأول يخص صراع الأحزاب والقوى السياسية على الحقائب الوزارية وخاصة الوزارات السيادية، والثاني وهو الأهم، فيخص توازن القوى الجديد بين إيران والولايات المتحدة داخل العراق.
بالنسبة لصراع القوى والأحزاب السياسية العراقية، سواء على المستوى العراقي العام، أو على مستوى «الإطار التنسيقي» المكلف من رئيس الجمهورية (رجل الاتحاد الوطني الكردستاني)، فإن هذا الصراع تحكمه الأطماع والمنافع العامة والخاصة، وعلى نحو ما، قبلت أحزاب وقوى «الإطار التنسيقي» بمراجعة اختيارها ل «نوري المالكي» لتشكيل الحكومة الجديدة، والتوصل عبر مشوار طويل شديد الإرهاق من الصراع والتنافس، إلى اختيار «مرشح تسوية» هو علي فالح الزيدي، بعد التراجع عن دعم مرشحين آخرين على نفس المعيار (أي مرشح تسوية) مثل باسم البدري وإحسان العوادي، فإن الإطار التنسيقي سيقبل في نهاية الأمر بالوصول إلى «تشكيلة تسوية» للحكومة الجديدة، ترضي كل الأطراف، ربما من خلال العودة مجدداً إلى ما يعرف بالآليات القديمة على قاعدة «تحاصص المناصب الحكومية»، وحساب النقاط الذي يعتمد على حجم التمثيل البرلماني بالنسبة لكل منصب، وتعتبر العودة إلى هذه الآليات المقيتة مجدداً، انتكاسة كبرى لطموحات إجراء تغييرات جذرية بعيداً عن المعادلات التي فرضها الاحتلال الأمريكي على العراق.
العراق الذي فرض قاعدة «المحاصصة السياسية» بين المكونات العراقية الكبرى الثلاثة: الشيعة والسنة والكرد، وفَرض نفس القاعدة على توزيع المناصب الوزارية وفقاً لوزن كل حزب داخل البرلمان، أي عدد النواب الذين يمثلونه داخل البرلمان.
فعلى سبيل المثال يحتاج الحصول على منصب رئاسي مثل رئاسة الجمهورية أو البرلمان أو الحكومة إلى نحو 15 نقطة، أي ما يعادل 30 مقعداً برلمانياً، في حين يحتاج الحصول على وزارة سيادية مثل النفط أو الخارجية إلى نحو 5 نقاط، أي ما يعادل نحو 10 مقاعد برلمانية، في حين تحتاج الوزارات غير السيادية مثل الثقافة أو الإعلام أو الزراعة أو الصناعة إلى 4 نقاط، أي نحو 8 مقاعد انتخابية، ما يعني أن تكليف أي شخص بمنصب وزاري لا يعود إلى ما يمتلكه من قدرات أو تخصص وكفاءة ونزاهة بقدر ما يعود إلى الحزب الذي ينتمى إليه، ووزن هذا الحزب في المعادلة السياسية المشوهة، ووزن هذا الشخص المرشح داخل حزبه، وما يعني أيضاً أن القوى السياسية والمدنية من خارج الأحزاب السياسية ليست لديها أي فرص للحصول على أي من المناصب الوزارية مهما كانت قدراتها أو كفاءاتها. إنها أمور كلها تقود العراق إلى ما هو أسوأ من «الانسداد السياسي» بل تقوده إلى «جمود سياسي» وعجز شامل للنظام السياسي.
تحديات صعبة تواجه العراق، لكن هناك تحديات أخرى أعظم على رأسها عجز العراق عن الخروج من معادلة «الصراع الأمريكي – الإيراني»، فهذا الصراع مازال متغيراً حاكماً لحاضر العراق ومستقبله، وفي القلب منه الصراع على قوة التأثير في القرار السياسي العراقي.
فإذا كانت إيران تحظى بولاء قُوى وأحزاب سياسية وفصائل عسكرية مسلحة تلعب دوراً أساسياً في تسيير العملية السياسية العراقية على نحو ما يرضي طهران، وعلى رأسها انخراط العراق ضمن «محور المقاومة» ضد إسرائيل والولايات المتحدة، فإن للأخيرة نفوذاً قوياً في ظل استمرارية «الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق» كواقع فعلي، رغم محاولات واشنطن للتعمية على هذا الواقع، سواء بسبب قواعدها العسكرية القوية في العراق أو ما تحظى به من دعم بعض مكونات عرقية (الكرد) أو طائفية (السنة) فضلاً عن دعم قوة التأثيرات والضغوط الاقتصادية الأمريكية على العراق.
فالولايات المتحدة سبق أن أكدت على لسان رجلها في سوريا ولبنان والعراق (سفيرها في تركيا توماس برّاك) رفض ترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، وأرغمت «الإطار التنسيقي» على سحب ترشيحه له، وعرض مرشحين بدلاء، فإنها فرضت عقوبات مالية واقتصادية على العراق لطرح مرشح آخر ترضى عنه، وعرضت مكافآت مالية بملايين الدولارات لاعتقال عدد من زعماء الفصائل العسكرية العراقية.
وإذا كان الرئيس ترامب قد اتصل هاتفياً برئيس الوزراء العراقي المكلف علي فالح الزيدي عقب اختياره ودعاه لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، فإن الدعم الأمريكي للزيدي مشروط بسقف سياسي وأمني، عنوانه إعادة ترتيب ملف فصائل المقاومة المسلحة، ومنعها من الدخول في التشكيل الحكومي الجديد.
تحديات صعبة قد تعيق أو تؤجل تشكيل الحكومة الجديدة وتعود بالعراق مجدداً إلى خطر «الانسداد السياسي».
مساران يحكمان مستقبل لبنان، منذ إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، مساء الخميس 16/4/2026، عن اتفاق لوقف إطلاق النار في لبنان لمدة 10 أيام، اعتباراً من اليوم التالي. المسار الأول الصادر عن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وكردّ على انتقادات المعارضة الإسرائيلية والصحافة الداعمة لها لقبول إسرائيل لهذا القرار أولاً: من دون تصويت عليه من الحكومة، أو على الأقل من الحكومة الأمنية المصغرة (الكابينت). وثانياً: إن القرار، فرض فرضاً من الرئيس ترامب، وإن كل ما فعله نتنياهو لم يكن أكثر من الاستجابة لهذا «الإملاء» الأمريكي، وهو مسار الالتزام الإسرائيلي بما يسمى بـ«استراتيجية الدفاع المتقدم»، لتأمين الحدود الشمالية لإسرائيل، عبر فرض «منطقة أمنية إسرائيلية» في الجنوب اللبناني. أما المسار الثاني، فهو المسار الذي يسعى الرئيس اللبناني، جوزيف عون، لفرضه وتكريسه، وهو مسار «السيادة الوطنية»، كأولوية استراتيجية لبنانية وتحرير لبنان من أية ضغوط، أو قيود، ووصل الأمر بالرئيس اللبناني إلى الدخول في «صدام تخويني» مع «حزب الله» لفرض هذا المسار.
وزارة الخارجية الأمريكية أصدرت، من جانبها، بياناً توضيحياً بخصوص وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل. ومن بين ما أوضحه البيان أن لبنان وإسرائيل توصلا إلى تفاهم «يقضي بأن يعملا على تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم بينهما، والاعتراف الكامل بسيادة كل منهما، وسلامة أراضيه، وإرساء أمن حقيقي على طول حدودهما المشتركة، مع الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس»، وأن الطرفين اتفقا على «ضرورة الحد من نشاطات (الجماعات المسلحة غير الحكومية) التي تقوّض سيادة لبنان، وتهدد الاستقرار الإقليمي»، والمقصود هنا بالتحديد «حزب الله».
وفي إشارة واضحة إلى استبعاد أيّ نفوذ لإيران، بما في ذلك من خلال «حزب الله»، أفاد البيان الأمريكي بأن «كل الأطراف تعترف بأن قوات الأمن اللبنانية، هي المسؤولة، حصراً، عن سيادة لبنان ودفاعه الوطني، ولا يحق لأية دولة أو جماعة أخرى، أن تدّعي ضمان سيادة لبنان».
نتنياهو لم يكتف بما تضمنه هذا البيان من إقرار وتأكيد على المطالب الإسرائيلية، بخاصة منح إسرائيل حق مطلق بالدفاع عن النفس في كل الأوقات، لكنه حرص على تقديم توضيحات للإسرائيليين بخصوص خلفيات وشروط القبول بهذا الوقف المؤقت لإطلاق النار مع لبنان، وقال لدينا مطلبان أساسيان: الأول نزع سلاح «حزب الله»، والثاني، اتفاق سلام مستدام قائم على القوة، وقال: «نحن باقون في لبنان ضمن منطقة أمنية معززة». وفُسر ذلك بأن هذه المنطقة الأمنية «ليست النقاط الخمس التي كانت من قبل، بل هي منطقة أمنية تمتد من البحر وتتواصل حتى مداخل جبل الشيخ، وصولاً إلى الحدود السورية.. منطقة أمنية بعمق عشرة كيلومترات، وهي أقوى بكثير وأكثر تماسكاً واستمرارية وصلابة مما كانت لدينا سابقاً».
وتنفيذاً لهذا الإعلان بدأ الجيش الإسرائيلي بتنفيذ ما يسميه بـ«استراتيجية الدفاع المتقدم»، أي الدفاع عن إسرائيل ليس من خلف الحدود الإسرائيلية مع لبنان، بل من داخل الجنوب اللبناني، والأراضى اللبنانية نفسها، كي تبقى مستوطنات الشمال الإسرائيلي في أمان ظلت تحلم به. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي إنشاء ما أسماه بـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان، على غرار ما جرى فرضه في شمال غزة، ما يعني أن أهالي 55 بلدة لبنانية واقعة ضمن هذا الخط لن يعودوا إلى أرضهم، وأن أرضهم نُزعت منهم ونهائياً. هذا المخطط يجري تنفيذه عبر مسارين متوازيين يهدفان إلى تثبيت واقع ميداني جديد في المنطقة.
المسار الأول يتمثل في محاولة الجيش الإسرائيلي ترسيخ وجوده في القرى التي سيطر عليها، بالتوازي مع استكمال سياسة التدمير الشامل التي اعتمدها سابقاً في قطاع غزة. أما المسار الثاني، فيركز على معركة «بنت جبيل» بما تمثله من رمزية وقاعدة استرايجية لـ«حزب الله»، عبر سياسة «الأرض المحروقة» لإخلاء الأرض تماماً، لإقامة المنطقة الأمنية المأمولة.
وبالتوازي مع جهود فرض «استراتيجية الدفاع المتقدم» الإسرائيلية، التي تضرب عرض الحائط بنصوص الاتفاق المؤقت لوقف النار، يخوض الرئيس اللبناني جوزيف عون، صراعاً مدعوماً من الحكومة اللبنانية وقوى سياسية لبنانية منحازة لتصفية نفوذ «حزب الله» وإنهاء أي دور إيراني في السياسة اللبنانية. فقد أكد الرئيس اللبناني أن لبنان «يرفض أن يكون ورقة تفاوض في الصراعات الإقليمية»، لكن التصعيد وصل ذروته عندما وصف الرئيس اللبناني «حزب الله» بـ«الخيانة»، في معرض دفاعه عن التزامه بخيار «التفاوض المباشر» مع إسرائيل. وردّاً «على اتهامات حزب الله»، من دون تسميته، قال: «من جرّنا إلى الحرب في لبنان يحاسبنا لأننا اتخذنا قرار الذهاب إلى المفاوضات بحجة عدم وجود إجماع وطني، وسؤالي لهم هو: عندما ذهبتم إلى الحرب هل حظيتم أولاً بالإجماع الوطني؟».
الاتهامات المتبادلة بـ«الخيانة» بين «حزب الله» والرئيس اللبناني، تقود حتماً إلى منح إسرائيل فرصة مواتية لفرض استراتيجيتها للدفاع المتقدم على حساب «السيادة الوطنية» المتنازع عليها بين اللبنانيين.