هل انتهى زمن القانون والمؤسسات الدوليين؟

00:12 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. إدريس لكريني

تزايدت الخطابات والمواقف التي أصبحت لا تتوانى في التقليل من أهمية القانون والمؤسسات الدوليين في ظل الخروقات التي ترتكب من قبل عدد من الدول الكبرى.
يحرّم القانون الدولي اللجوء إلى استخدام القوة أو مجرد التهديد باستعمالها في العلاقات الدولية، ويؤكد ضرورة الاستناد إلى الآليات السلمية في معالجة الأزمات وتسوية النزاعات عبر مختلف السبل الدبلوماسية والقضائية، فيما تتيح المادة ال 51 من ميثاق الأمم المتحدة للدول ممارسة حقها في الدفاع الشرعي الفردي والجماعي عن نفسها، في حال تعرضها لهجوم عسكري، ويسمح من جهة أخرى لمجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة باتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. فيما تسعى قواعد القانون الدولي الإنساني إلى الموازنة بين الضرورة العسكرية والحماية الإنسانية.
وارتباطاً بمختلف التهديدات العابرة للحدود من إرهاب وجريمة منظمة، هناك الكثير من الاتفاقيات الدولية التي تضع إطاراً للحد من هذه المخاطر (مكافحة الإرهاب، والجرائم المنظمة العابرة للحدود)، كما لا تخفى أهمية التعاون القضائي الدولي، وبخاصة فيما يتعلق بتسليم المجرمين وتبادل المعلومات المرتبطة بهذا الشأن، بالإضافة إلى مختلف الاتفاقيات التي تدعم الأمن الرقمي.
وقد شكل إحداث المحكمة الجنائية الدولية حدثاً عالمياً مهماً على طريق تعزيز العدالة الجنائية الدولية والحد من الإفلات من العقاب، وبخاصة فيما يتعلق بمتابعة المتورطين في ارتكاب جرائم خطِرة كجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
يبدو أن القانون الدولي يمرّ بمرحلة مفصلية في ظل الواقع العالمي الراهن، بالنظر إلى توالي الخروقات التي تطول بنوده، وبخاصة على مستوى فرض منطق قانون القوة على حساب قوة القانون، وعجز هذا القانون عن مواكبة الكثير من التطورات التي أحدثها بروز مما يسمى ب«الحروب الهجينة»، وتزايد التهديدات غير الدولاتية، أي تلك المخاطر التي تسببها أطراف من غير الدول، كما هو الشأن بالنسبة للجيوش الخاصة أو الجماعات الإرهابية، أو تلك الناجمة عن تلوث البيئة والجرائم الرقمية..
ومع تصاعد حدة الانتهاكات التي أصبحت تلحق بقواعد القانون الدولي خلال العقود الأخيرة، وبخاصة بعد اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا، وتوالي الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، والحرب على إيران، وقيام هذه الأخيرة باستهداف عدد من دول الجوار، مما تسبب في عدد من الخسائر البشرية، واستهداف عدد من البنى التحتية المدنية، بدأت الكثير من الأسئلة تثار بشأن مستقبل القانون الدولي، وحول مدى قدرت على كسب رهانات السلم والأمن في واقع دولي سمته الصراع والأزمات والحروب، بل هناك من الباحثين والمختصين من ذهب إلى حد اعتبار هذه المحطات هي بمثابة منعطف حقيقي يعكس بداية انهيار القانون الدولي والأمم المتحدة. خصوصاً وأن هذه الأحداث مجتمعة كشفت هوة عميقة بين مقتضيات القانون الدولي ومبادئ وأهداف وقرارات الأمم المتحدة من جهة، وتطبيقاتها الميدانية إقليمياً ودولياً من جهة أخرى.
إن استمرار الكثير من الانتهاكات دون ردّ، يعطي الانطباع وكأن هناك نوعاً من التطبيع مع استخدام القوة في العلاقات الدولية، وتهميش الآليات الدولية لتسوية النزاعات وتدبير الأزمات، ذلك أن الكثير من التدخلات العسكرية أصبحت تتم خارج نطاق تفويض مجلس الأمن بفعل استخدام حق الفيتو أو التهديد باستعماله، وبعيد عن مقتضيات قراراته ذات الصلة، أو تبرر بممارسة حق الدفاع الشرعي ضمن تفسير ضيق لا يخلو من انحرافات للمادة ال 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
تتزايد المخاوف أمام هذا الواقع الدولي المرتبك، الذي يحيل إلى شلل المؤسسات الدولية في مواجهة هذه المخاطر والتحديات، وعدم قدرة القانون الدولي على مواكبة التحولات الدولية المتسارعة بإشكالاتها العسكرية والرقمية والبيئية والإنسانية، وتنامي صور الكيل بمكيالين التي تعكس تطبيقات انتقائية للقانون الدولي، بما يكرس تخوفات جدية لدى دول الجنوب في مقابل استهتار عدد من دول الشمال بعمل المؤسسات الدولية وبمقتضيات القانون الدولي العام.
من الصعب جداً أن نحسم الجدل بالقول ببساطة: إن القانون الدولي أو المؤسسات الدولية قد انهارا أو في طور الانهيار، رغم أزمة الشرعية التي يمران بها، فلا تخفى أهمية القانون الدولي في تنظيم عدد من القطاعات والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والتجارية.. في عالم متطور سمته التشابك والاعتماد المتبادل، كما لا يمكن غضّ النظر عن الجهود التي تبذلها المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية العاملة في مجالات الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان والتنمية في هذا الصدد، ونستحضر من جانب آخر جهود المحاكم الدولية، كما هو الشأن بالنسبة لمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في مجال تطبيق القانون الدولي.
إن العجز عن تطبيق القانون الدولي الإنساني يكرس الإفلات من العقاب، بما يفرض إصلاح الأمم المتحدة و«دمقرطتها»، وكذا تطوير مقتضيات القانون الدولي.
[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"