الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«عقدة» الاستقرار في الشام

11 يوليو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 11 يوليو 00:29 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
​ لم تكن العاصمة السورية دمشق، وهي تستقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أول زيارة لزعيم غربي بارز منذ سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، تبحث عن مجرّد بروتوكولات دبلوماسية عابرة، بل كانت تصوغ ملامح مرحلة جديدة من الانفتاح، وإعادة الإعمار، والعودة اللوجستية والاقتصادية إلى الحاضنة، الدولية والإقليمية. إلا أن دويّ الانفجارات التي شهدتها المدينة، مؤخراً - وسُمع صداها قرب مقر وزارة السياحة وعلى مسافة أمنية من فندق إقامة الضيف الفرنسي - جاء ليؤكد أن مسار الاستقرار في سوريا الجديدة لن يكون معبّداً بالورود، وأن العبث الأمني ما زال الورقة الأخيرة في يد الأطراف المتضررة، خصوصاً الجماعات الإرهابية، من نهوض مؤسسات الدولة السورية.
​قراءة دلالات هذا التوقيت تأخذنا مباشرة إلى جوهر الرسائل السياسية المفخخة، فالتفجير المزدوج بعبوات بدائية الصنع وسط منطقة تجارية حيوية، والذي أسفر عن إصابة 18 شخصاً، وقبله بأيام تفجير مقهى في منطقة الحجاز بالقرب من القصر العدلي الذي حصد أرواحاً بريئة، لا يمكن فصلهما عن سياق الزيارة الفرنسية الرفيعة.
فالرسالة موجهة بالدرجة الأولى إلى المجتمع الدولي لإظهار العاصمة بمظهر «العاجز» عن ضبط الأمن، وإرسال إشارات ترهيبية للمستثمرين والشركات الفرنسية الكبرى، مثل «توتال إنرجي» و«سي إم إيه سي جي إم»، التي رافقت ماكرون لبحث فرص إعادة الإعمار الشاملة، لاسيما مع بدء سوريا خطوات فعلية لتحديث أسطولها الجوي بعقد طائرات «إيرباص».
​ تتعدّد الأطراف التي تلتقي مصالحها عند نقطة إبقاء سوريا في حالة من السيولة الأمنية والاضطراب، فمن جهة، يبرز تحرك خلايا تنظيم «داعش» في محاولة للانتقام والتشويش، تزامناً مع تسارع مسار ما يسمى «العدالة الانتقالية»، ومحاكمة رموز سابقة في القصر العدلي، ومن جهة أخرى، تتقاطع أهداف قوى خارجية وتنظيم «داعش» الإرهابي عند رغبة مشتركة في تعطيل العودة الطبيعية لدمشق إلى محيطيها، العربي والدولي، ووضع العصي في عجلات مسار التنمية وبناء الدولة الذي تقوده الإدارة السورية الجديدة.
​ومع ذلك، فإن الرد السوري والفرنسي المشترك جاء ليجهض مفاعيل هذه الرسائل، فإصرار الإليزيه على مواصلة الزيارة وفق الخطة المقررة، وتأكيد الرئاسة السورية على عمق المباحثات في قصر الشعب، يبرهن على أن الإرادة السياسية لتثبيت ركائز العهد الجديد أقوى من محاولات الابتزاز الأمني، كما أن فرض الطوق الأمني السريع، وملاحقة خيوط المنفذين يعكسان تنامياً ملحوظاً في قدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع التحديات، لكنه يفرض في الوقت ذاته مسؤوليات مضاعفة على عاتق الدولة لاستكمال تأمين الحواضن، المدنية والاقتصادية.
​سوريا اليوم تقف عند منعطف حرج بين إصرار داخلي وعربي على طيّ صفحة الركام والانطلاق نحو البناء، وبين جيوب تسعى لرهن مستقبل البلاد لصراعات الماضي.
ويبقى الرهان الحقيقي في هذه المرحلة على تماسك الجبهة الداخلية، واستمرار تدفق الدعم الدبلوماسي والاستثماري، لقطع الطريق على كل من يتربص بأمن الشام، واستقرارها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة