لم يكن متوقعاً أن تحقق جلسة واحدة من المفاوضات الأمريكية - الإيرانية التي جرت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد اختراقاً حقيقياً يُؤدي إلى تسوية سياسية حول الملفات العالقة بين إيران وجيرانها والتي أدت إلى حرب الأربعين يوماً، والتي جرت خلالها اعتداءات آثمة على دول مجلس التعاون الخليجي.
صحيح أن المفاوضات امتدت لإحدى وعشرين ساعة بين الوفدين الأمريكي الذي قاده نائب الرئيس جي دي فانس، والوفد الإيراني الذي قاده رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، لكن حجم الخلافات المتعلقة بمروحة واسعة من القضايا كان من الصعب حسمها في جلسة واحدة، لذا يمكن القول إن الفشل في التوصل إلى حل وسط استدعى مغادرة الوفدين خاليي الوفاض يمكن فهمه في إطار الشكوك المتبادلة وعدم الثقة والريبة التي تراكمت بفعل التجارب السابقة، واعتقاد الطرفين أنهما يجلسان على طاولة المفاوضات من منطلق الندّين المنتصرين اللذين ما زالا يملكان أوراقاً كافية لحمل كل طرف على تقديم التنازل للآخر.
لذلك، إذا كانت المفاوضات أداة استراتيجية مكملة للعمل العسكري، وتستخدم لإدارة الصراع وتحقيق مكاسب سياسية بالدبلوماسية بدلاً من الميدان، ولأن الطرفين يعتقدان أن الميدان لم يحسم أهداف الحرب، فإن هذه الأهداف ظلت معلّقة ولم تحسم في هذه الجولة من المفاوضات الأخيرة نتيجة تمسك كل طرف بمواقفه وعدم تقديم تنازلات متبادلة وصولاً إلى الحلول البديلة.
ومع ذلك، فإن الجانبين لم يعلنا أن طريق المفاوضات قد أغلق، ما يعني أن الجهود الدبلوماسية سوف تتواصل خلال أسبوعي الهدنة المفترضة، وقد أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، أن «الدبلوماسية لا تنتهي أبداً، ربما تكون هناك جلسات أخرى خلال الأيام القليلة المقبلة»، وهذا يعني أن طهران مستعدة للعودة ثانية إلى طاولة المفاوضات عندما يتم تفكيك الألغام التي أدت إلى فشل مفاوضات الجولة الأخيرة، والتي تتمثل كما أعلن من الجانبين بقضيتي الملف النووي الإيراني وإصرار طهران على عدم التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب، وسيطرتها على مضيق هرمز، وهما مطلبان أساسيان للولايات المتحدة ودول المنطقة، خصوصاً بعدما أثبتت الحرب الأخيرة أن إيران تستخدمهما كورقتي ابتزاز في الحرب.
كما أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ترك الباب موارباً على ما يبدو حين لم يتطرق إلى انسحاب بلاده من المفاوضات، بل اكتفى بالقول: «نغادر من هنا بمقترح بسيط للغاية، وهو آلية للتفاهم، وهذا هو عرضنا الأخير والأفضل.. سنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه».
ورغم ذلك، يعود القلق من جديد حول إمكانية استئناف الحرب، وما إذا كانت ستعود بنفس الوتيرة والوسائل السابقة، خصوصاً بعدما كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه في حال رفض إيران قبول الاتفاق النهائي، لا يزال يمتلك «ورقة رابحة تتمثل بفرض حصار بحري خانق على إيران باعتبار أنها ورقة نجحت مع فنزويلا»، مع ورود أنباء عن انضمام حاملة الطائرات الضخمة «جيرالد فورد» إلى حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في مياه الخليج للقيام بهذه المهمة.
أيام قليلة وتنجلي الصورة، عما سيكون عليه الوضع في المنطقة، لكن هذه المرة، الوقت محدد، ومفاوضات «السجادة» التي تمتد لسنوات لا تجدي نفعاً، فلا أحد يقبل بتكرار الخدعة الإيرانية الهادفة عبر المماطلة لشراء الوقت، فالثقة في طهران مفقودة، والمصداقية في ساستها معدومة.