أمن الطاقة الصيني خارج الأزمات

21:40 مساء
قراءة دقيقتين

د. رامي كمال النســور *
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر حول مضيق هرمــز، تتجــه أنظــار الأســواق إلــى كبار المستوردين للنفط، وعلى رأسهم الصين. فالمفارقة اللافتــة أن بكين تستورد عبر هذا الممر الحيوي كميات تفوق مــا تستــورده الهند واليابــان وكوريا الجنوبية مجتمعة، ومع ذلك لا نرى حملات طوارئ لخفض الاستهلاك أو دعوات شعبية للتقشف في الكهرباء. 
لماذا؟ لأن الصين اختارت طريقاً مختلفاً: بناء منظومة اقتصادية وطاقة «مقاومة للصدمات» بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات عند وقوعها.
لقد وضعت الصين أهدافاً طموحة للتحول نحو المركبات الكهربائية، مستهدفة أن تبلغ مبيعاتها نحو 20% من إجمالي المبيعات السنوية. لكن الواقع تجاوز الطموح؛ إذ قفزت الحصة إلى ما يقارب 50% بحلول 2025. هذا التحول لم يكن مجرد إنجاز صناعي، بل أداة استراتيجية لتقليص الطلب على الوقود السائل.
وما هي النتيجة؟ أن ما وفرته الصين من استهلاك النفط نتيجة كهربة النقل بات يقارب — في دلالته الاستراتيجية —حجم وارداتها من دول رئيسية مثل السعودية. أي أن خفض الطلب الداخلي أصبح بمثابة «إمداد افتراضي» يقلل الحاجة إلى الشحنات البحرية المعرضة للمخاطر.
نقطة أخرى مهمة وهي أن الصين لم تكتفِ بخفض الطلـب؛ بـــل أعـادت هندسة جانب العرض. فبدل الاعتماد على عدد محدود من المورّدين، وسّعت الصين سلة الاستيراد لتشمل دولًا متعـددة مثل روسيا وإيران وغيرها. هذا التنويع يخفف أثر أي اضطراب جيوسياسي يصيب مورّداً بعينه أو مساراً محدداً.
كما عملت الصين على تنويع مزيج الطاقـــة داخليــاً، فعـــلى مستوى الشبكات، اعتمدت الصين سياسة المزيج المتعدد، الوقود التقليدي (نفط وغاز) و الفحم (رغم تحدياته البيئية، يظل ركيزة للموثوقية) و الطاقة الشمسية والمتجددة.
هذا التوازن يمنح النظام مرونة تشغيلية إذا تعثر مصدر، يعوضه آخـر دون صدمة واسعة للاقتصاد أو للمستهلك.
أيضاً عملت الصين على تعزيز الإنتاج المحلي وتوفير بنية برية بديلة إذ تُنتج الصين محلياً نحو 4.3 مليون برميل يومياً من النفط، وهو ركيزة لا يُستهان بها لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. إلى جانب ذلك، استثمرت بكثافة في خطوط الأنابيب البرية التي تربطها بمناطق الإمداد في آسيا الوسطى وروسيا، ما يقلل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة.
أخيراً فإنه وعند جمع هذه العناصر—خفض الطلب عبر الكهربة، تنويع الموردين، تعدد مصادر الطاقة، الإنتاج المحلي، والبنية البرية—نحصل على نموذج واضح: الصين لا تنتظر الأزمة لتتفاعل معها؛ بل تبني نظاماً يجعل أثر الأزمة محدوداً سلفاً.
وهنا تكمن الفلسفة؛ إدارة الأزمات تعني ردّ الفعل. أما بناء المنظومة المقاومة للصدمات فيعني تقليص الحاجة لردّ الفعل أصلاً.
رغم انكشاف الصين الكبيــر نظريـاً علــى مضيق هرمز، فإن سياساتـــها المتراكمــة جعلـت هـذا الانكشاف أقـل تأثيراً عملياً. الدرس الأهم ليس في حجم الاستيراد، بل في كيفية تصميم الاقتصاد ليمتص الصدمات من حيث تقليل الطلب عند المصدر، تنويع العرض، وتشييد بدائـل لوجستيــة. إنها مقاربــــة استراتيجيـــة عميقـــة تُحوّل الأزمـــات مـــن تهديد وجودي إلى اختبار يمكن تجاوزه.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة

عن الكاتب

مستشار الأسواق المالية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"