الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
د. رامي كمال النسور
مستشار الأسواق المالية
أحدث مقالات د. رامي كمال النسور
14 أبريل 2026
أمن الطاقة الصيني خارج الأزمات

د. رامي كمال النســور *
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر حول مضيق هرمــز، تتجــه أنظــار الأســواق إلــى كبار المستوردين للنفط، وعلى رأسهم الصين. فالمفارقة اللافتــة أن بكين تستورد عبر هذا الممر الحيوي كميات تفوق مــا تستــورده الهند واليابــان وكوريا الجنوبية مجتمعة، ومع ذلك لا نرى حملات طوارئ لخفض الاستهلاك أو دعوات شعبية للتقشف في الكهرباء. 
لماذا؟ لأن الصين اختارت طريقاً مختلفاً: بناء منظومة اقتصادية وطاقة «مقاومة للصدمات» بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات عند وقوعها.
لقد وضعت الصين أهدافاً طموحة للتحول نحو المركبات الكهربائية، مستهدفة أن تبلغ مبيعاتها نحو 20% من إجمالي المبيعات السنوية. لكن الواقع تجاوز الطموح؛ إذ قفزت الحصة إلى ما يقارب 50% بحلول 2025. هذا التحول لم يكن مجرد إنجاز صناعي، بل أداة استراتيجية لتقليص الطلب على الوقود السائل.
وما هي النتيجة؟ أن ما وفرته الصين من استهلاك النفط نتيجة كهربة النقل بات يقارب — في دلالته الاستراتيجية —حجم وارداتها من دول رئيسية مثل السعودية. أي أن خفض الطلب الداخلي أصبح بمثابة «إمداد افتراضي» يقلل الحاجة إلى الشحنات البحرية المعرضة للمخاطر.
نقطة أخرى مهمة وهي أن الصين لم تكتفِ بخفض الطلـب؛ بـــل أعـادت هندسة جانب العرض. فبدل الاعتماد على عدد محدود من المورّدين، وسّعت الصين سلة الاستيراد لتشمل دولًا متعـددة مثل روسيا وإيران وغيرها. هذا التنويع يخفف أثر أي اضطراب جيوسياسي يصيب مورّداً بعينه أو مساراً محدداً.
كما عملت الصين على تنويع مزيج الطاقـــة داخليــاً، فعـــلى مستوى الشبكات، اعتمدت الصين سياسة المزيج المتعدد، الوقود التقليدي (نفط وغاز) و الفحم (رغم تحدياته البيئية، يظل ركيزة للموثوقية) و الطاقة الشمسية والمتجددة.
هذا التوازن يمنح النظام مرونة تشغيلية إذا تعثر مصدر، يعوضه آخـر دون صدمة واسعة للاقتصاد أو للمستهلك.
أيضاً عملت الصين على تعزيز الإنتاج المحلي وتوفير بنية برية بديلة إذ تُنتج الصين محلياً نحو 4.3 مليون برميل يومياً من النفط، وهو ركيزة لا يُستهان بها لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات. إلى جانب ذلك، استثمرت بكثافة في خطوط الأنابيب البرية التي تربطها بمناطق الإمداد في آسيا الوسطى وروسيا، ما يقلل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة.
أخيراً فإنه وعند جمع هذه العناصر—خفض الطلب عبر الكهربة، تنويع الموردين، تعدد مصادر الطاقة، الإنتاج المحلي، والبنية البرية—نحصل على نموذج واضح: الصين لا تنتظر الأزمة لتتفاعل معها؛ بل تبني نظاماً يجعل أثر الأزمة محدوداً سلفاً.
وهنا تكمن الفلسفة؛ إدارة الأزمات تعني ردّ الفعل. أما بناء المنظومة المقاومة للصدمات فيعني تقليص الحاجة لردّ الفعل أصلاً.
رغم انكشاف الصين الكبيــر نظريـاً علــى مضيق هرمز، فإن سياساتـــها المتراكمــة جعلـت هـذا الانكشاف أقـل تأثيراً عملياً. الدرس الأهم ليس في حجم الاستيراد، بل في كيفية تصميم الاقتصاد ليمتص الصدمات من حيث تقليل الطلب عند المصدر، تنويع العرض، وتشييد بدائـل لوجستيــة. إنها مقاربــــة استراتيجيـــة عميقـــة تُحوّل الأزمـــات مـــن تهديد وجودي إلى اختبار يمكن تجاوزه.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة

5 أبريل 2026
تجاوز «هرمز».. وتعظيم العوائد النفطية

د. رامي كمال النسور *

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مؤخراً، يبرز ملف أمن إمدادات الطاقة كأولوية قصوى لدول مجلس التعاون الخليجي. ويأتي التفكير في مد أنابيب نفط بديلة تتجاوز مضيق هرمز كخيار استراتيجي يعكس تحولاً نوعياً في إدارة المخاطر، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي وتعظيم العوائد.
إن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. غير أن اعتماده كمسار شبه وحيد لصادرات الخليج يجعله نقطة اختناق استراتيجية، تتأثر سريعاً بأي تصعيد سياسي أو عسكري.
ومن هنا، فإن تنويع مسارات التصدير لم يعد خياراً تكميلياً أو رفاهية ً، بل ضرورة اقتصادية وأمنية.
إن إنشاء شبكات أنابيب بديلة يحمل في طياته مجموعة من العوائد الاقتصادية المهمة، أبرزها تقليل المخاطر الجيوسياسية من خلال تخفيف الاعتماد على ممرات بحرية حساسة يقلل من احتمالات تعطل الصادرات. وكذلك خفض تكاليف التأمين والشحن ففي أوقات الأزمات، ترتفع علاوات المخاطر على السفن بشكل كبير، ما ينعكس مباشرة على كلفة الصادرات. كذلك يؤدي إنشاء الخطوط البديلة إلى تعزيز استقرار الإيرادات وضمان تدفق النفط من دون انقطاع ما يسهم في استقرار الميزانيات العامة. إضافة إلى رفع القدرة التفاوضية للدول المنتجة إذ الدول التي تمتلك بدائل تصدير أكثر تكون في موقع أقوى في الأسواق العالمية.
وهنا تبرز الحاجة إلى تناول موضوع الإيرادات الفائتة... كلفة الإغلاق غير المرئي ففي حال تعطل أو إغلاق مضيق هرمز لفترة قصيرة فإن الخسائر لا تقتصر على توقف الشحنات، بل تمتد إلى إيرادات فائتة ضخمة.
فكل يوم تعطّل يعني فقدان ملايين البراميل من الصادرات وخسارة مباشرة في التدفقات النقدية الحكومية إضافة إلى ضغط على الموازنات العامة والإنفاق الرأسمالي كما أن الأسواق لا تعوض هذه الخسائر بالكامل لاحقاً، إذ إن الفرص الضائعة في البيع عند مستويات سعرية معينة لا يمكن استعادتها، خاصة في ظل تقلبات الأسعار.
إضافة إلى ذلك، فإن تعطّل الإمدادات قد يدفع العملاء العالميين إلى البحث عن موردين بديلين، ما يهدد الحصص السوقية على المدى المتوسط وبالتالي، فإن الاستثمار في خطوط الأنابيب البديلة لا يمثل كلفة إضافية، بل هو أداة لحماية الإيرادات ومنع خسائر محتملة بمليارات الدولارات.
والحقيقة أن فكرة تجاوز نقاط الاختناق ليست جديدة، فقد شهدت المنطقة في منتصف القرن الماضي إنشاء خط التابلاين (Trans-Arabian Pipeline)، الذي نقل النفط السعودي عبر الأراضي العربية إلى البحر الأبيض المتوسط.
ورغم توقفه لاحقاً، فإنه شكل سابقة استراتيجية تؤكد أهمية تنويع مسارات التصدير، وتقليل الاعتماد على الممرات الضيقة.
وفي هذا الصدد قدمت دولة الإمارات نموذجاً متقدماً في هذا المجال من خلال خط أنابيب حبشان – الفجيرة، الذي ينقل النفط من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل.
هذا المشروع لم يعزز فقط أمن الصادرات، بل حول الفجيرة إلى مركز طاقة إقليمي، يضم مرافق تخزين وتصدير استراتيجية، ويستقطب استثمارات عالمية في قطاع الطاقة.
وبدورها، عملت المملكة العربية السعودية على تطوير خط الأنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
هذا الخط يمنح المملكة مرونة كبيرة في توجيه صادراتها نحو الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية والأمريكية، بعيداً عن أي مخاطر محتملة في الخليج العربي.
إن الخطوة التالية تتمثل في تعزيز التكامل بين دول الخليج عبر شبكات أنابيب مترابطة، تتيح تنويع المسارات وتبادل القدرات التصديرية.
مثل هذا التكامل من شأنه أن يحول المنطقة إلى منظومة طاقة أكثر مرونة واستدامة، قادرة على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية بكفاءة أعلى ما يعني بالنتيجة نحو تكامل خليجي في البنية التحتية.
إن الاستثمار في تطوير خطوط أنابيب بديلة لتجاوز مضيق هرمز لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية تقليدي، بل يمثل خياراً استراتيجياً يعيد تشكيل معادلة الأمن الاقتصادي والطاقة في المنطقة، من خلال تقليص المخاطر الجيوسياسية وتعزيز استدامة التدفقات النقدية النفطية.
وفي ظل التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية، فإن الدول التي تستبق المخاطر عبر تنويع قنوات التصدير ستتمتع بميزة تنافسية نوعية، تُمكّنها من الحفاظ على استقرار إيراداتها وتعزيز موثوقيتها كمورد رئيسي للطاقة، حتى في أوقات الاضطراب.
كما أن التجارب العملية، سواء من خلال مشاريع دولة الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية، إلى جانب الدروس التاريخية المستفادة من خط «التابلاين»، تؤكد أن تنويع مسارات تصدير النفط لم يعد خياراً تكميلياً، بل ركيزة أساسية في استراتيجيات الطاقة والسياسات المالية لدول المنطقة.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة

26 مارس 2026
التوترات الجيوسياسية تُفقد الذهب بريقه

د. رامي كمال النسور*

شهدت أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة تراجعات حادة جداً في وقتٍ تتصاعد فيه حدة التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث كان من المتوقع أن يسجل الذهب قفزات قوية باعتباره الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات. غير أن ما يحدث في الأسواق العالمية يعكس مشهداً مختلفاً، إذ يتعرض الذهب لضغوط ملحوظة، في مفارقة تستحق التوقف والتحليل.
إن أحد أبرز العوامل التي تقف خلف هذا التراجع يتمثل في السياسة النقدية الأمريكية، حيث يواصل الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً.
وفي ظل هذه البيئة، يفقد الذهب جزءاً من جاذبيته، كونه أصلاً لا يدر عائداً، في مقابل أدوات مالية دولارية توفر عوائد مستقرة، مثل السندات وأذون الخزانة. ومع غياب إشارات واضحة لخفض قريب في أسعار الفائدة، يواصل المستثمرون إعادة توجيه محافظهم نحو الأصول المدرة للدخل.
وعلى خلاف ما جرت عليه العادة، لم يؤدِ ارتفاع أسعار النفط الذي حصل بنسب مرتفعة إلى دعم الذهب، بل ساهم بشكل غير مباشر في تقوية الدولار. فمع تسعير النفط عالمياً بالعملة الأمريكية، يؤدي ارتفاع أسعاره إلى زيادة الطلب على الدولار لتغطية واردات الطاقة، ما يعزز من قوته في الأسواق العالمية.
هذه القوة المتزايدة للدولار تمارس ضغطاً مباشراً على الذهب، نظراً للعلاقة العكسية التقليدية بينهما.
وخلال السنوات الماضية، لعبت البنوك المركزية دوراً محورياً في دعم أسعار الذهب عبر زيادة احتياطياتها منه، في إطار سياسات تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار.
غير أن البيانات الأولية لعام 2026 تشير إلى تراجع ملحوظ في مشتريات الذهب خلال الشهرين الأولين، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب الهيكلي في السوق، وترك الأسعار أكثر عرضة للتقلبات قصيرة الأجل بمعنى تراجع مشتريات البنوك المركزية.
إلى جانب تراجع الطلب الرسمي، برز عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في انحسار مشتريات الأفراد والمستثمرين عبر صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالذهب (ETFs).
فخلال الشهرين الماضيين، شهدت هذه الصناديق تخارجات واضحة وتدفقات خارجة، وهو ما يُعد مؤشراً مباشراً على تراجع شهية المستثمرين الأفراد تجاه الذهب.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة، كونها تعكس السلوك الفعلي لشريحة واسعة من المستثمرين العالميين، الذين باتوا يفضلون التحول نحو أدوات أكثر سيولة وعائداً، في ظل بيئة أسعار الفائدة المرتفعة وقوة الدولار.
ومن ثم وفي خضم الأزمات الحالية، لم يعد الذهب الخيار الوحيد للتحوط، إذ برز الدولار الأمريكي كملاذ آمن منافس، مستفيداً من ارتفاع العوائد، وقوة الاقتصاد الأمريكي، وعمق أسواقه المالية.
هذا التحول يعكس تغيراً في سلوك المستثمرين، الذين باتوا يفضلون الأصول ذات السيولة العالية والعائد المباشر، خصوصاً في بيئة تتسم بعدم اليقين.
إن ما تشهده الأسواق اليوم يؤكد أن العلاقة التقليدية بين الأزمات وارتفاع الذهب لم تعد ثابتة كما في السابق وكما جاء في بطون أمهات الكتب في علم الاستثمار فالعوامل النقدية، وعلى رأسها أسعار الفائدة وقوة الدولار، أصبحت أكثر تأثيراً في تحديد اتجاهات الذهب من العامل الجيوسياسي وحده.
وهكذا رغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، فإن تراجع الذهب يعكس تحولاً هيكلياً في ديناميكيات الأسواق العالمية، حيث تتقدم أدوات العائد والسيولة على حساب الملاذات التقليدية.
وفي ظل استمرار هذه المعطيات، سيبقى أداء الذهب رهين توازن دقيق بين السياسة النقدية الأمريكية، واتجاهات الدولار، ومستويات الطلب المؤسسي والفردي، أكثر من كونه انعكاساً مباشراً للأحداث الجيوسياسية.

* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة

17 مارس 2026
شبح التضخم يعود للاقتصاد العالمي

عاد شبح التضخم العالمي إلى الواجهة مجدداً مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والخليج، خاصة في ظل الحرب الدائرة مع إيران والتهديدات التي طالت الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم. فبعد أن بدأت الاقتصادات العالمية تلمس بوادر تراجع في الضغوط التضخمية عقب موجة الارتفاع الحاد في الأسعار خلال الأعوام الماضية، جاءت التطورات الجيوسياسية الأخيرة لتعيد القلق من موجة تضخمية جديدة تقودها أسعار الطاقة وكلفة النقل العالمية.
وكما يعلم الجميع، فإن مضيق هرمز يحتل موقعاً بالغ الأهمية في منظومة الطاقة الدولية، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج إلى الأسواق العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة أو إغلاق محتمل لهذا الممر البحري ينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز. وقد شهدت الأسواق بالفعل قفزة ملحوظة في أسعار النفط مع ارتفاع علاوة المخاطر المرتبطة بالإمدادات، إذ تسارع الأسواق عادة إلى تسعير المخاطر الجيوسياسية حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات.
وفي الحقيقة، فإن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 25% من بداية هذه الحرب وحتى تاريخ كتابة هذا المقال لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد أثره إلى مجمل الاقتصاد العالمي. فالنفط يدخل في كلفة النقل والصناعة والزراعة والتصنيع والخدمات، ما يعني أن أي زيادة في سعره تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات. ولهذا السبب يُعد النفط أحد أهم المحركات التقليدية للتضخم العالمي، خاصة عندما تأتي الزيادة نتيجة صدمات جيوسياسية مفاجئة.
ولا يقتصر الأثر التضخمي على أسعار الطاقة وحدها، بل يتضاعف أيضاً بفعل ارتفاع كلفة الشحن والنقل البحري. فمع تصاعد المخاطر في الخليج وارتفاع احتمالات استهداف السفن أو تعطيل الممرات البحرية، ارتفعت أقساط التأمين على السفن، وقفزت علاوة المخاطر على الشحن، وهو ما انعكس بدوره على كلفة نقل السلع والمواد الأولية بين القارات. ومع زيادة كلفة النقل البحري، ترتفع أسعار العديد من السلع المستوردة، من الغذاء إلى المعادن والمواد الصناعية. وحتى مع البحث عن مسارات بديلة أكثر أماناً، فإن هذه المسارات تكون أكثر بعداً وتحتاج إلى وقت أطول وهذا أيضاً يرفع كلف الشحن.
وتزداد حساسية الاقتصاد العالمي لهذه التطورات في ظل الاعتماد الكبير على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود. فالشركات الصناعية تعتمد على تدفق مستمر للمواد الخام والمكونات الصناعية، وأي زيادة في كلفة النقل أو الطاقة تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج. وفي كثير من الأحيان يتم تمرير هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتغذية موجة تضخمية جديدة.
كما أن ارتفاع التضخم في هذه الظروف يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة. فبعد سنوات من السياسات النقدية المتشددة لمحاربة التضخم، كانت الأسواق تتوقع اتجاهاً تدريجياً نحو خفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي. لكن عودة الضغوط التضخمية نتيجة صدمات الطاقة قد تدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض الفائدة أو حتى إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول، وهو ما قد يبطئ وتيرة التعافي الاقتصادي العالمي ويزيح ثمرة جهود تم بذلها في السابق لتحقيق أهداف ممتازة للدول.
وتختلف آثار هذه التطورات بين الدول المنتجة للطاقة والدول المستهلكة لها. فالدول المصدرة للنفط قد تستفيد على المدى القصير من ارتفاع الأسعار وزيادة الإيرادات، لكن هذه المكاسب قد تتراجع إذا أدت التوترات الأمنية إلى تعطيل الإنتاج أو تصدير النفط. أما الدول المستوردة للطاقة فهي الأكثر عرضة لتداعيات التضخم المرتبط بالطاقة، إذ ترتفع لديها فواتير الاستيراد وتتزايد الضغوط على ميزانياتها وعلى كلفة المعيشة.
كما أن ارتفاع التضخم العالمي لا ينعكس فقط على الاقتصاد الحقيقي، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق المالية أيضاً. فعندما ترتفع معدلات التضخم وتزداد حالة عدم اليقين، تميل أسواق المال إلى التقلب، ويتجه المستثمرون غالباً نحو الأصول الآمنة مثل الذهب. وفي المقابل قد تتعرض أسواق الأسهم لضغوط، خاصة في القطاعات الحساسة لارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف التمويل.
وفي المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط حقيقة أساسية مفادها بأن التضخم العالمي لا يتحدد فقط بعوامل اقتصادية تقليدية مثل الطلب والإنتاج، بل يتأثر أيضاً بشكل كبير بالعوامل الجيوسياسية. فالحروب والتوترات الإقليمية وتعطّل الممرات البحرية الحيوية يمكن أن تعيد إشعال موجات تضخم عالمية حتى في الفترات التي يبدو فيها الاقتصاد العالمي في طريقه إلى الاستقرار.
ولهذا، فإن قدرة الاقتصاد العالمي على احتواء موجة تضخمية جديدة ستعتمد إلى حد كبير على سرعة احتواء التوترات في المنطقة واستمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية دون اضطرابات طويلة الأمد. وفي حال استمرت هذه الأزمات لفترة طويلة، فقد يجد العالم نفسه أمام مرحلة جديدة من التضخم المرتبط بالطاقة، وهي ظاهرة لطالما كانت من أكثر التحديات تعقيداً أمام صناع السياسات الاقتصادية.

10 مارس 2026
توترات الشرق الأوسط تضرب الاقتصاد العالمي

في الحقيقة لم تكن أزمة 2008 وحدها كافية لتذكير العالم بأن الصدمات الكبرى لا تبدأ دائماً من داخل الاقتصاد، بل قد تأتي من الجغرافيا السياسية. واليوم، ومع الأحداث الجارية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج وما رافقها من تعطّل في تدفقات الطاقة وتهديد للملاحة في مضيق هرمز، يعود الاقتصاد العالمي إلى مواجهة اختبار شديد الحساسية، لأن هذه الأزمة تمسّ أكثر الأعصاب حيوية في العالم: النفط، والغاز، والتجارة، والتضخم، وأسواق المال.
إن خطورة هذه الحرب تكمن في أنها لا تُقاس بحجم العمليات العسكرية فقط، بل بموقع دول الخليج العربي وإيران في خريطة الطاقة العالمية. فمضيق هرمز يظل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز، وقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن أي تعطل واسع في هذا المسار يمثل صدمة مباشرة لأمن الطاقة العالمي، خصوصاً للغاز الطبيعي المسال، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه دولة قطر في الإمدادات العالمية.
والتطور المهم هو أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الأزمة باعتبارها فقط مجرد توتر عابر. فبحسب رويترز، أدت الحرب خلال أسبوع واحد فقط إلى اضطراب حاد في صادرات الطاقة، بينما قفزت أسعار النفط بأكثر من 25%، وتجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ إبريل 2024. كما أُعلن تعطّل أو تعليق جزء مهم من الإمدادات والشحنات في المنطقة، مع خفض إنتاج في بعض الدول المنتجة بسبب صعوبات التصدير والتخزين.
أما الغاز الطبيعي، فقد بدا أكثر حساسية من النفط في المدى القصير. فتعطل الإمدادات القطرية أو تعثر مرورها عبر هرمز يوجّه ضربة مباشرة لأسواق آسيا وأوروبا. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن توقف تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق قد يخفض الإمدادات العالمية بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً، وهو رقم ضخم في سوق شديدة الحساسية أصلاً. كما ذكرت رويترز أن عقود الغاز الأوروبية القريبة قفزت بنحو 70% خلال أيام، مع انتقال العدوى سريعاً إلى الأسعار الآسيوية وتكاليف الشحن.
إن هذا الارتفاع في أسعار النفط والغاز لا يبقى داخل قطاع الطاقة، بل ينتقل فوراً إلى الاقتصاد الحقيقي. فكل زيادة في كلفة الوقود والكهرباء والشحن والتأمين ترفع كلفة الإنتاج والنقل والغذاء والخدمات. ولهذا حذّر صندوق النقد الدولي من أن آثار الحرب تعتمد على مدتها وحجم الضرر الذي تلحقه بالطاقة والتجارة وتقلبات الأسواق المالية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي أصلاً نمواً ضعيفاً وعدم يقين مرتفع.
ومن هنا تعود الضغوط التضخمية إلى الواجهة. فالعالم كان يتجه، قبل هذه الحرب، نحو بيئة أسعار سلع أكثر هدوءاً، إذ توقع البنك الدولي في أواخر 2025 تراجع أسعار السلع الأساسية والطاقة في 2026 بفعل تباطؤ النمو ووفرة الإمدادات. لكن الحرب قلبت هذا المسار رأساً على عقب، وفتحت الباب أمام موجة تضخم مستوردة جديدة تقودها الطاقة. وقد بدأت بعض البنوك المركزية والأسواق في احتساب هذا الخطر بالفعل، لأن ارتفاع أسعار النفط قد يؤخر خفض الفائدة أو يعيد تشديد السياسة النقدية في بعض الاقتصادات.
وستكون الدول المستهلكة للطاقة من أكبر المتضررين، خصوصاً في آسيا التي تعتمد بصورة كبيرة على نفط وغاز الخليج. وذكرت رويترز أن آسيا تستورد نحو 60% من خامها من الشرق الأوسط، ما يجعل أي تعطل في هرمز أو الإنتاج الخليجي تهديداً مباشراً للنمو الصناعي، وتكاليف الكهرباء، وفواتير الدعم، وعجز الميزانيات التجارية في الدول المستوردة. وستكون الاقتصادات الناشئة الأكثر هشاشة، لأنها تدفع ثمن الطاقة الأعلى بفوائد أعلى وعملات أضعف وهوامش مالية أضيق.
وفي المقابل، قد تبدو الدول المنتجة للنفط رابحة نظرياً من ارتفاع الأسعار، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالسعر المرتفع يفيد فقط إذا استمرت القدرة على الإنتاج والتصدير بسلاسة. أما إذا تعطل النقل أو ارتفعت مخاطر التأمين أو امتلأت مرافق التخزين أو تضررت المنشآت، فإن المنتجين يتحملون خسائر مزدوجة: خسارة كميات مباعة، وخسارة فرص الاستفادة من السعر المرتفع. وهذا ما ظهر بوضوح مع إعلان الكويت القوة القاهرة وخفض الإنتاج، ومع اضطراب الشحن في المنطقة.
أما كلفة إغلاق مضيق هرمز فهي لا تُقاس فقط بعدد البراميل المحتجزة، بل أيضاً بارتفاع أسعار التأمين البحري، وقفزات أجور الناقلات، وتأخر سلاسل التوريد، وإعادة رسم مسارات التجارة، وتحويل الطلب إلى مصادر بديلة أعلى كلفة. وكل يوم إضافي من الإغلاق أو التعطيل لا يضيف فقط دولارات إلى سعر البرميل، بل يراكم كلفة خفية على الصناعة العالمية، من المصافي إلى الطيران إلى البتروكيماويات. وقد وصفت رويترز الوضع الحالي بأنه خطر يهدد بإحداث صدمة طاقة عالمية إذا امتد لأسابيع أو أشهر.
أما أسواق المال في الشرق الأوسط فقد عكست هذه الحالة من الازدواجية بشكل واضح. فمن جهة، استفادت أسهم شركات الطاقة والمواد الأساسية في بعض الأسواق الخليجية من الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط. ومن جهة أخرى، تعرضت بعض الأسواق لضغوط نتيجة التوترات والأحداث في المنطقة. وبذلك تكافئ الأسواق الشركات المستفيدة من صعود أسعار الطاقة، بينما تتعرض شركات القطاعات الأخرى الأكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية لضغوط وانخفاضات في قيمها السوقية.
وعالمياً، لا يقتصر الأثر على الأسهم، بل يمتد إلى السندات والعملات والمعادن. فالذهب يستعيد سريعاً دوره كملاذ آمن كلما اتسعت الحرب أو ارتفع منسوب الخوف، بينما تتفاعل الفضة جزئياً مع هذا المنحى أيضاً، وإن بقيت أكثر ارتباطاً بدورة الصناعة. أما النحاس وبقية المعادن الصناعية، فإنها تواجه معادلة أكثر تعقيداً: من جهة تستفيد من ضعف الدولار أحياناً ومن اضطرابات الإمداد، لكن من جهة أخرى تتعرض لضغوط إذا خافت الأسواق من تباطؤ اقتصادي عالمي يضعف الطلب الصناعي. وقد أبرزت رويترز بالفعل ارتفاع الطلب على الذهب مع تصاعد النزاع، في حين تبقى المعادن الصناعية أكثر حساسية لتوقعات النمو.
الخلاصة أن الحرب الدائرة لم تعد أزمة إقليمية محصورة في بُعدها العسكري، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة طاقة جديدة في وقت لم يتعافَ فيه بالكامل من آثار التضخم السابق واضطرابات سلاسل الإمداد وتشدد السياسة النقدية. وإذا طال أمد الحرب أو تصاعد خطر إغلاق هرمز، فإن العالم قد يواجه مزيجاً صعباً من النفط المرتفع، والغاز الشحيح، والتضخم العنيد، والنمو الأضعف، والأسواق الأكثر عصبية. وهذه هي الوصفة الكلاسيكية لمرحلة اقتصادية شديدة الارتباك.

1 مارس 2026
هل تتكرر أزمة 2008 المالية؟

د. رامي كمال النسور*

في عام 2008 دخل العالم في أخطر أزمة مالية منذ الكساد العظيم. بدأت القصة بطفرة في قروض الرهن العقاري عالية المخاطر في الولايات المتحدة، حيث مُنحت قروض لشرائح ضعيفة الملاءة في ظل سيولة مفرطة وأسعار فائدة منخفضة. تم تجميع تلك القروض داخل أدوات مالية مهيكلة مثل سندات الدين المضمونة CDOs وبيعها لمستثمرين حول العالم بتصنيفات ائتمانية مرتفعة. وعندما ارتفعت معدلات التعثر، انهارت الثقة في النظام المالي، وتجمّدت أسواق الائتمان، وسقطت مؤسسات كبرى مثل«Lehman Brothers»، ليتحوّل اضطراب سوق عقاري إلى أزمة مالية عالمية شاملة.
اليوم، وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً، يعود القلق بصيغة مختلفة. وهذه المرة الأمر لا يتعلق بالرهن العقاري، بل بسوق القروض المرفوعة (Leveraged Loans) وأدوات التوريق المعروفة باسم CLOs (Collateralized Loan Obligations) فهل يمكن أن تكون هذه السوق شرارة أزمة مالية جديدة؟
في البداية فإن القروض المرفوعة هي قروض تُمنح لشركات ذات مديونية مرتفعة أو تصنيف ائتماني دون الدرجة الاستثمارية، وغالباً ما تُستخدم لتمويل عمليات الاستحواذ أو إعادة الهيكلة. ويتم تجميع هذه القروض داخل أدوات استثمارية مقسمة إلى شرائح متعددة المخاطر، بحيث تحصل الشرائح العليا على أولوية في السداد وعائد أقل، بينما تتحمل الشرائح الأدنى مخاطر أكبر مقابل عائد أعلى.
خلال العقد الماضي، تضخم هذا السوق بشكل ملحوظ مستفيداً من بيئة فائدة منخفضة وسيولة عالمية وفيرة. ومع سعي المستثمرين وراء عوائد أعلى، ازدادت شهية المخاطرة، وارتفع حجم الإصدارات إلى مستويات تاريخية. لكن مع التحول النقدي العالمي وارتفاع أسعار الفائدة، بدأت الأسئلة تتزايد حول قدرة الشركات عالية المديونية على خدمة التزاماتها، خصوصاً تلك التي تعتمد على إعادة التمويل المستمر.
ثمة أوجه تشابه مع أزمة 2008 تثير القلق. أولها التوسع الائتماني الكبير في فترة سيولة سهلة، وثانيها انتشار القروض ذات الشروط المخففة (Covenant-lite)، والتي تقلل من القيود المفروضة على المقترضين وتحد من قدرة المقرضين على التدخل المبكر عند تدهور الأداء المالي. كما أن ارتفاع الفائدة يزيد كلفة خدمة الدين، ما يضغط على هوامش الشركات ويزيد احتمالات التعثر في حال تباطؤ الاقتصاد.
ومع ذلك، فإن المقارنة المباشرة مع أزمة 2008 قد تكون مبالغاً فيها. فهناك اختلافات جوهرية بين الأداتين الائتمانيتين والبيئة التنظيمية المحيطة بهما. فالقروض المرفوعة تُمنح لشركات قائمة لديها أصول وتدفقات نقدية تشغيلية، بخلاف قروض الرهن العقاري التي مُنحت لأفراد محدودي القدرة على السداد. إضافة إلى ذلك، تخضع البنوك اليوم لمتطلبات رأسمالية أكثر صرامة بفضل إصلاحات ما بعد الأزمة، ما يقلل من مخاطر العدوى النظامية.
كما أن هيكلية التزامات القروض المضمونة تختلف CLOs عن سندات الدين المضمونة السابقة CDOs من حيث آليات الحماية والتوزيع الهرمي للخسائر، وقد أظهرت الشرائح العليا تاريخياً قدرة أكبر على الصمود حتى خلال جائحة كورونا. كذلك فإن نسبة معتبرة من هذه الأدوات مملوكة لمستثمرين مؤسسيين طويلِي الأجل مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، وليست متركزة بالكامل في الميزانيات البنكية كما كان الحال قبل 2008.
الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود القروض المرفوعة بحد ذاتها، بل في تراكم المخاطر إذا اجتمعت عدة عوامل في وقت واحد: تباطؤ اقتصادي عميق، استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، ارتفاع معدلات التعثر، وانكماش شهية المستثمرين للمخاطر. في مثل هذا السيناريو، قد نشهد إعادة تسعير حادة في أسواق الائتمان، وارتفاعاً في فروق العائد، وضغوطاً على تقييمات الأسهم، خصوصاً في القطاعات المثقلة بالديون.
وهنا فإن تأثير أي اضطراب واسع في هذا السوق لن يقتصر على الولايات المتحدة أو أوروبا، بل قد يمتد إلى الأسواق العالمية عبر قناة الثقة وكلفة التمويل. فارتفاع علاوات المخاطر ينعكس مباشرة على قدرة الشركات على الاقتراض، ويؤثر على قرارات الاستثمار والتوسع، وربما يؤجل صفقات الاستحواذ والإدراجات العامة. وفي الأسواق الناشئة، قد يؤدي تشدد الائتمان العالمي إلى خروج تدفقات رأسمالية بحثاً عن ملاذات أكثر أماناً.
ومع ذلك، من المرجح أن يكون أي اضطراب محتمل ذا طابع ائتماني أو قطاعي، وليس انهياراً نظامياً شاملاً كالذي شهده العالم في 2008، ما لم يترافق مع فشل مؤسسي كبير يعيد أزمة الثقة إلى قلب النظام المالي. فالنظام المصرفي اليوم أكثر متانة، والرقابة التنظيمية أكثر صرامة، والوعي بالمخاطر أعلى مما كان عليه قبل الأزمة العالمية.
الدرس الذي لا يزال صالحاً منذ 2008 هو أن الأزمات لا تنشأ من أداة مالية بعينها، بل من الإفراط في الرفع المالي وسوء تسعير المخاطر والاعتقاد بأن السيولة دائمة. الأسواق بطبيعتها دورية، ودورات الائتمان تمر بمراحل توسع وانكماش. والسؤال ليس ما إذا كانت المخاطر موجودة فهي دائماً كذلك بل ما إذا كانت مُسعّرة بشكل عادل ومدارة بانضباط.
في ضوء ذلك، يمكن القول: إن احتمال تكرار أزمة بحجم 2008 عبر بوابة القروض المرفوعة ليس مستبعداً تماماً، لكنه في الوقت الراهن يبدو أقل ترجيحاً في ظل المتغيرات التنظيمية والهيكلية الحالية. غير أن استمرار تضخم هذا السوق في بيئة نقدية مشددة يستدعي رقابة دقيقة وحذراً استثمارياً واعياً، لأن التاريخ المالي يثبت أن الهشاشة تتراكم بهدوء... قبل أن تظهر فجأة.
*مستشار في الأسواق المالية والحوكمة والاستدامة.