الإمارات وأمريكا.. علاقات بحاجة إلى تطوير

01:20 صباحا
قراءة 3 دقائق

تعهدت دولة الإمارات العربية المتحدة في مارس/ آذار 2025، باستثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة، وهو أكبر تعهد من دولة واحدة في التاريخ. شمل هذا الالتزام الذي سُرِّعت وتيرته خلال زيارة الرئيس ترامب للخليج بعد شهرين، مجالات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية المستقبلية. واعتُبر هذا التعهد تاريخياً في كلا البلدين.
بعد تسعة أشهر، وفي خضم الهدنة الهشة في الحرب الإيرانية، تُقيّم منطقة الخليج تداعيات الصواريخ الإيرانية. كان الاضطراب الاقتصادي شديداً: فقد أغلقت إيران مضيق هرمز وألحقت أضراراً بالبنية التحتية للطاقة، والآن أعلنت أمريكا حصاراً بحرياً. تعيد الحكومات في جميع أنحاء المنطقة تقييم وتيرة التزاماتها الخارجية التي يمكنها الوفاء بها في ظلّ الظروف الراهنة.   لطالما وُصفت العلاقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج لعقود بصورة مختصرة ومبسّطة على أنها تبادل للنفط مقابل الأمن، ففي حين أن الخليج أمّن للولايات المتحدة استقرار الطاقة، وفرت أمريكا لها مظلة عسكرية، غير أن هذا الإطار بهذه الصورة المحددة قد عفا عليه الزمن حتى قبل اندلاع الحرب؛ إذ حققت الولايات المتحدة استقلالها في مجال الطاقة، بينما تنفق اقتصادات الخليج تريليونات الدولارات لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن النفط. لقد تغيّرت شروط التبادل بشكل جذري، ولا يوجد مكان يتجلّى فيه هذا التغيير بوضوح أكثر من العلاقة بين الولايات المتحدة والإمارات.
ما تتطلبه هذه الظروف الراهنة ليس القطيعة، بل الاعتراف بأنّ الشراكة أعمق هيكلياً مما يُقرّ به أيٌّ من الطرفين، وأنّها تجاوزت الإطار المؤسسي الذي يحكمها. تحتاج أمريكا والإمارات إلى محاسبة أكثر شفافية لما يدين به كلٌّ منهما للآخر، محاسبة تتجاوز الحسابات الشكلية لإعلانات الاستثمار. بعبارة أوضح، ما يقتضيه الوضع فعلاً هو إدراك أن دولة الإمارات العربية المتحدة ليست مجرد مصدر لرأس المال، بل هي أيضاً شريك استراتيجي في الازدهار المشترك.
تُعدّ الإمارات الوجهة الأولى للصادرات الأمريكية في الشرق الأوسط على مدى 17 عاماً متتالية؛ حيث حقق التبادل التجاري الثنائي في عام 2025 فائضاً قدره 23.8 مليار دولار للولايات المتحدة، وهو رابع أكبر فائض تحصل عليه من أي دولة. ولا تُغطي أرقام التجارة سوى جانب واحد من جوانب هذا التبادل. فجامعة نيويورك لديها حرم جامعي بأبوظبي، وتُدير كليفلاند كلينك مستشفى رئيسياً هناك.
وتمتد أفرع هذه العلاقة لأوسع بكثير ؛ إذ يُقيم 65 ألف أمريكي في الإمارات، ودرس عشرات الآلاف من الإماراتيين في جامعات أمريكية . وتتعاون شركة G42 للتكنولوجيا في أبوظبي مباشرةً مع شركات أمريكية عملاقة مثل مايكروسوفت. 
وافقت وزارة التجارة الأمريكية على تصدير رقائق إنفيديا  إلى مجموعة الـ42 لسبب وجيه: فهذه الشراكات تخدم المصالح الأمريكية والإماراتية.
هذا أبعد ما يكون عن مجرد تبادل للنفط مقابل الأمن، بل هو شراكة شاملة متكاملة، اقتصادية وتكنولوجية وثقافية وإنسانية، بُنيت بهدوء وانتظام على مدى عقود من قِبل شركات وجامعات ومستشفيات وملايين الأفراد.
لقد كشفت الأزمة الحالية ما كان خفياً. فالإمارات ليست مجرد متلقية سلبية خاملةً للضمانات الأمنية الأمريكية، بل هي شريك فاعل راهَنَ باستراتيجيات تنويع اقتصادها وثروتها السيادية على استقرار النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. وعندما يضطرب هذا النظام، تكون الدول الأقرب إلى بؤرة التوتر أول المتأثرين بالعواقب والأشد تضرراً بها. 
لم تقرع الإمارات طبول هذه الحرب، لكنها تحمّلت آلاف الضربات على مطاراتها وموانئها ومدنها. وكان ردّ الدولة هو الدفاع عن شعبها، والحفاظ على اقتصادها مفتوحاً، وتأكيد التزاماتها الاستثمارية، لتقدم بذلك مثالاً للصمود في أبهى صوره.
أنا على يقين كامل لا يجانبه شك أن هذه العلاقة ستتجاوز الأزمة الراهنة، فالترابط بيننا وثيق وواسع وعميق الجذور، والتزام الإمارات تجاه الولايات المتحدة ليس مرهوناً بأي إدارة أو نزاع بعينه.
لكن البقاء لا يعني الازدهار، فالعلاقة بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة فيها من الإمكانات والمقومات ما يمكنها من أن تغدو أهم شراكة اقتصادية في العقود القادمة لكلا الجانبين. تنظر الشركات الأمريكية بشكل متزايد إلى الإمارات مدخلاً إلى إفريقيا وجنوب آسيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ الأوسع. وفي المقابل، فإن شبكة الإمارات الواسعة من الشركات العائلية، التي تمثل قوة غير مستغلة في مجال الاستثمار عبر الحدود، مستعدة لتعزيز استثماراتها في الاقتصاد الأمريكي إلى جانب رأس المال السيادي الإماراتي.
العامل الحاسم في نجاح هذه الشراكة هو تعامل كلا الجانبين معها كأصل استراتيجي، بدلاً من كونها مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية.
رغم الحرب وتداعياتها، توضحت حقيقةٌ مهمةٌ ستحرك المسارات القادمة: ليست العلاقة في خطر، بل بلغت من الأهمية درجة لم يعد من الممكن أو المنطقي تركها بلا دعم.

*المبعوث الخاص لوزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة لشؤون الأعمال والأعمال الخيرية. مقال نشر في صحيفة «نيويورك تايمز».

 

عن الكاتب

الممثل الخاص للأعمال التجارية والخيرية في «COP28»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"