د. أحمد برقاوي
عرف التنمر بأنه سلوك عدواني من طرفٍ معتدٍّ بقوته، بمعزلٍ عن واقعية أسباب اعتداده، تجاه طرفٍ آخر، بهدف التقليل من شأنه وإيذائه.
ويبدو أن هذا المصطلح قديم في العربية؛ فلقد أنشد البحتري، المولود سنة 821م والمتوفى سنة 897م: كفّوا وإلا كُفِفتم مضمري أسفٍ إذا تنمّر في إقدامه النمرُ، وإذا تركنا جانباً التنمر الفردي في المدارس والعمل والحياة اليومية، وأثر هذه العدوانية في الآخر المُتنمَّر عليه، ودلفنا إلى العالم الأخطر للتنمر الجمعي، والخطاب الذي يصدر عن بعض المنتمين إلى عالم الكتابة والصحافة، وقعنا على شرٍّ أخلاقي بامتياز. أما إذا انتقل هذا الشر من عالم الخطاب إلى الممارسة، فإن التاريخ قد يشهد كوارث لا تُعدّ.
ما هو خطاب التنمر الأيديولوجي؟ خطاب التنمر الأيديولوجي هو خطاب يُعلي من شأن الجماعة التي ينتمي إليها، ويُعلي تفوقها، ويُقلّل من شأن جماعة أو جماعات أخرى.
ومفهوم الجماعة هنا يشير إلى مكوّن طبقي أو شعبي أو عرقي، أو أي مكوّن جمعي آخر. فهذا الوعي بالذات الجمعية ليس سوى مظهر من مظاهر الوعي الأيديولوجي الزائف.
وخطاب التنمر هذا قديم جداً، وما زال هذا الخطاب حاضراً حتى الآن، وبصور متنوعة الشعوبية التي انتشرت في نهاية القرن الثاني الهجري والقرن الثالث للهجرة، شهدت ظاهرة تنمر الفرس على العرب عبر شعراء الموالي، وخاض الجاحظ معركة فكرية معها.
ومع نشوء الحركة الطورانية، انتشر الخطاب القومي التنمري في ذم العرب.
والمركزية الأوروبية مثال صارخ على الخطاب الأيديولوجي للتنمر، حتى عند من يُحسن الظن بهم. ولقد أشرت في كتابي (أطياف فلسفية) إلى تنمر شاعر وفيلسوف لا يليق بعقله التنمر. فقد كتب الشاعر الفرنسي الشهير بول فاليري رسالة إلى المؤرخ رينيه غروسيه يقول فيها: «ليس ثمة غير اليونانيين ونحن». فالأوروبي يجعل من ذاته سلطة التقدم في علاقته بالآخر.
ومع حديث برتراند راسل عن فضل الحضارة الفرعونية والبابلية على الحضارة اليونانية، فإنه كتب في كتابه «حكمة الغرب» يقول: «لقد توصّلت مصر القديمة وبابل إلى بعض المعارف التي اقتبسها الإغريق فيما بعد، ولكن لم تتمكن أيٌّ منهما من الوصول إلى علم أو فلسفة. على أنه لا جدوى من التساؤل في هذا السياق عمّا إذا كان ذلك راجعاً إلى افتقار العبقرية لدى شعوب هذه المنطقة أم إلى أوضاع اجتماعية؛ لأن العاملين كان لهما دورهما، ولا شك».
راسل، بكل نزعته الإنسانية في مواقع أخرى من مؤلفاته، يمنح الأوروبي احتكار العلم والفلسفة.
النازية جعلت من العرق الآري المتوهَّم سيد الأعراق على سائر الأعراق البشرية، وهذا شكل من التنمر العرقي الذي يبرر السلوك العنفي تجاه العرق المختلف.
وقِس على ذلك التنمر المؤسس على الوهم اللاهوتي الذي يمارسه المحتل على الفلسطيني.
فالفصل العنصري بكل صوره، الذي يمارسه القوي على الضعيف، لهو أسوأ أنواع التنمر الخطابي والعملي.
ومن أغرب خطابات التنمر الأيديولوجي خطاباتُ التنمر بالماضي السحيق لدى ثلة من مثقفي وسياسيي وصحفيي بعض البلدان العربية التي تعيش واقعاً لا يسر صديقاً ولا يغضب عدواً.
فهذا النكوص، بالعودة المتنمرة إلى ماضٍ ينتمي إلى ما قبل الميلاد مثلاً، لن يقوم بأي دور في حل مشكلات في غاية الصعوبة.
بل ماذا يعني أن تعيش في عالم بائس، وتتنمر على الآخرين بماضٍ غارق في القدم، صارت آثاره للفرجة، ولن يُنجب لك أي نوع من أنواع الخلاص؟
فمن حق أي شعب أن يفخر بماضيه، ويحتفل بماضيه ورموزه، لكن ليس من حق أحد أن يتنمر بماضيه على الآخرين.
وإذا كانت كثير من الدول تعاقب التنمر الفردي أو الجماعي بوصفه جريمة ضد الآخر، فإن التنمر الأيديولوجي الذي ينال من الشعوب على وسائل التواصل الاجتماعي لا يقل خطراً عن التنمر الفردي، وقدرته على توليد شعور الكراهية مفسدة للنزعة الإنسانوية المناهضة لأيديولوجيا التنمر.
[email protected]