ما من نمطٍ إبداعي أقرب إلى الوجدان من الشعر؛ فعلى الرغم من ازدهار الأشكال الأدبية الأخرى كالسرد وتصدّرها للمشهد القرائي، إلا أن القارئ دائماً ما يتلفّتُ إلى بيتٍ احتضنته قصيدة، أو مشهدٍ صاغه شاعر. إنه ينقّب عن كلمات الشعر حتى داخل الرواية أو القصة، ويفتش عن الحالة الشعرية في العرض المسرحي، أو الفيلم السينمائي، أو حتى في اللوحة التشكيلية، وكأنه الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه بقية الفنون والآداب. والواقع أن كل هذه الأنواع الإبداعية تبنّت أدوات الشعر منذ ظهورها، ولا يزال بعضها يفعل ذلك.
وفي ما يبدو، نحن نقرأ الشعر لأنه اللغة الوحيدة التي تجرؤ على تسمية ما لا يُسمى، وهو الملاذ الذي نجد فيه أنفسنا حين تخذلنا الكلمات العادية؛ نقرأه لنعرف أننا لسنا وحدنا في شعورنا. هو «بحث عن الحقيقة» بوسائل جمالية، نجد فيه تفسيراً لدهشتنا، وحزناً مصاغاً بكرامة، وفرحاً يرتدي حلة من خلود.
نحن نقرأ الشعر لأنه دوحةٌ في عالمٍ يمور؛ فالعالم اليوم ماديٌّ، سريعٌ، ومنفعي، بينما الشعر «بطيء» ومتأمل. يظل الشعر تلك الواحة لأنه يقاوم «التسليع»؛ فهو المنطقة التي لا يمكن قياسها بالأرقام أو بيعها كسلعة، بل هو مساحة للحرية الروحية والجمال الخالص وسط صخب المادة. فالشعر هو الطريقة التي يحاول بها الإنسان ترميم العالم كلما انكسر، وعبره نعيد صياغة الوجود؛ فهذا الإبداع هو المختبر الروحي الذي يأخذ الواقع الصلب ويحوله إلى رؤى مرنة قابلة للتأويل. إن الشعر يكسر «العادة»؛ إذ إن الأشياء التي نمر بها يومياً دون اكتراث، كغروب الشمس أو فنجان القهوة، يعيد الشعر صياغتها لتصبح أحداثاً كبرى ومواضيع للتأمل، مما يجعل العالم يبدو متجدداً لا رتيباً.
وفي عالمٍ يمور بالاضطرابات، يعيد الشعر صياغة الألم؛ فالقصيدة لا تمحو الجرح، لكنها تجعل منه رمزاً للصلابة. وعندما يضيق الواقع، يفتح الشعر آفاقاً استشرافية؛ فهو لا يرضى بالهزيمة أو يبرر الواقع، بل يصوغ عبر الاستعارة والخيال عالماً «يوتوبياً» يمنح البشرية القوة، ويرمم الوجود؛ فالمكان الذي يلمسه الشعر لا يعود مجرد جغرافيا، بل يصبح تاريخاً وشعوراً وذاكرة.
إذن، فقراءة الشعر هي أخطر أنواع المغامرات؛ لأنها ليست نزهةً بين الكلمات، بل هي رحلةٌ استكشافيةٌ في «المناطق غير المأهولة» داخل أنفسنا وحولنا. فعندما تبدأ بقراءة قصيدة، فأنت لا تعرف أين ستنتهي بك؛ قد تبدأ بوصف وردة، ثم تجد نفسك فجأةً في مواجهة تساؤلاتٍ وجوديةٍ كبرى عن الحياة والموت والزمن. فالشعر يلقي بك في لُجّة المعنى، ويتركك وحيداً أمام أمواج الأسئلة.