تخرج، على مستوى العالم، ملايين الكتب والإصدارات المتخصصة في تحفيز الذات، والتي تجد رواجاً كبيراً وسط البشر، حتى الذين لا يهتمون كثيراً بالقراءة، حيث يرون فيها المنقذ والمعين من أجل تأمين حياة عملية ووظيفية ناجحة، أو عيش سعيد هادئ، فالعناوين العامة لهذه الكتب تدور حول كيفية تحقيق المرء للنجاح والسعادة، أو تجاوز العقبات، أو خوض التحديات، بالإضافة إلى القيادة والسيطرة والمكانة، وغير ذلك من قضايا وشؤون تخص الأفراد في حياتهم اليومية، حيث تعتبر هذه المؤلفات، الأعلى مبيعاً بين جميع أصناف الكتب.
يرجع كثيرون انتشار هذه المؤلفات إلى سيادة نمط وثقافة السوق والاستهلاك، حيث تلبي احتياجات نفسية واجتماعية ملحة في العصر الحديث، وتقدم حلولاً تبدو في الظاهر عملية لمواجهة ضغوط الحياة والقلق والسعي نحو النجاح والأمان في مجالات العمل والوظيفة، فكتب التحفيز تُعتبر في كثير من الأحيان «الوقود النفسي» الذي يضمن استمرار العجلة الرأسمالية التي تعتمد على الفرد، فهي تُقنعك بأن نجاحك أو فشلك يعتمد عليك «أنت» فقط، متجاهلة الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، مما يدفع الأفراد لشراء المزيد من الكتب والبرامج لإصلاح ذواتهم في سباق محموم.
تتماس محتويات هذه المؤلفات مع الفلسفة بما تتضمن من رؤى وأفكار ومفاهيم حول الإنسان الفرد والواقع المحيط به، إلى درجة أن البعض قد أطلق عليها اسم «الفلسفة الشعبية»، التي تجعل الحكمة متاحة للشخص الذي لا يمتلك الوقت للقراءة، وهو أمر أغضب الكثير من النقاد، والذين يرون أن تلك الكتب تسطيح للفلسفة، لكونها تحول المفاهيم الوجودية إلى وصفات وخطوات مرقمة بما يفقد الفكر عمقه، وبينما جوهر الفلسفة هو النقد والتشكيك، فإن التحفيز يعتمد على اليقينيات والشعارات والدعاية بما يحول الفكر من فعل تأملي إلى أداة للتنويم المغناطيسي، وبينما الفلسفة تفكك الواقع، فإن التحفيز يبرره ويلمعه ويستخدم الحكمة لجني المال وخوض تحديات غير محسوبة.
الخطر في تلك الكتب أنها تعمل على «تسويق النسخة الأفضل منك»، حيث يتم إشعار القارئ أو المشاهد أو المتلقي في المحاضرات بأنه غير كفء حالياً، وأن سعادته ونجاحه يرتبطان بشراء المعرفة بالتالي إعلاء التنافس بين البشر وتبريره، فالتحفيز يحول المشاعر الإيجابية مثل التفاؤل والإصرار إلى «منتجات» تباع وتشترى، وهذه الكتب تدعي كذباً أنها تقدم «خطوات سهلة» و«وصفات سحرية» تتناسب مع إيقاع الحياة السريع الذي يرفض التأمل العميق أو الحلول الجذرية طويلة الأمد.
الفلسفة الشعبية!
23 مارس 2026 00:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 مارس 00:09 2026
شارك
