يذكر بطل قصة «جنة أرنهايم» لإدغار ألن بو أربعة شروط أو مبادئ أوّلية للسعادة (ترجمة: خالدة سعيد)، وهو يرى أن الشرط الأول الرياضة الحرّة في الهواء الطلق وكان يذكر لذّة صيّادي الثعالب، ويرى أن الفلّاحين هم الوحيدون الذين يمكن اعتبارهم أكثر سعادة من الآخرين. لماذا، وكما أرى أنا كاتب هذه السطور، لأن الثعالب والفلاحين يعيشون عيشة الهواء الطلق.
الشرط الثاني للسعادة عند إليسون، وهو اسم بطل القصة، هو حب امرأة، أما الشرط الثالث فهو احتقار الطموح جملةً، وكان الشرط الرابع هو «خلق الجمال».
لقد لاحظت في هذه القصة القصيرة أن إليسون الذي يتحدث بالطبع بلسان المؤلف إدغار ألن بو قد تجاهل أو تناسى شروطاً عديدة للسعادة من الممكن أن تخطر على بال القارئ، قارئ القصة أو قائل هذه المقالة المبنية على القصة. المال، مثلاً، أَلَا يجلب السعادة؟ بلى يجلبها وحتى يشتريها إذا كانت هناك سوق للسعادة.
السفر، النجاح، وأحياناً القوّة والنفوذ، ثم، الصحة، والقناعة، والجمال، وإلى آخره من أسباب كهذه يمكن بالفعل أن تكون طريقاً إلى السعادة، ولكنني، لسبب ما، وأنا أقرأ مجمل قصص إدغار ألن بو، الكابوسية، الهذيانية أحياناً، والمركبة من الوعي واللّاوعي، والقائمة في أغلب الحالات على وصف مذهل للطبيعة، أقول، وأنا أقرأ هذا الفيض من الجمال والدقة والتركيز تساءلت: لماذا لم يعتبر إدغار ألن بو أن الكتابة هي أقوى وأجمل شروط السعادة؟
نعم الكتابة أقوى من الهواء الطلق، أو الأصح أن الكتابة في الهواء الطلق على طريقة صيّادي الثعالب وعمل الفلّاحين هي سعادة مركبة وإذا كانت السعادة تأتي للإنسان من خلال حب امرأة، فالكتابة هي حب أكثر من امرأة: الأم، الابنة، الجدّة، وإذا كانت المعرفة تجلب السعادة، فإن الكتابة تصنع المعرفة، ثم، عد قليلاً إلى شروط إليسون. إنه يقول إن خلق الجمال يؤدي إلى السعادة، والكتابة هنا، هي خلق وجودي مكثف للجمال، والشعر جمال مطلق.
الكتابة لم تخطر على بال إليسون وهو يضع شروطه الأربعة للسعادة، ذلك أن هذا الرجل هو رجل قصصي، لغوي، أدبي، وليس رجلاً حقيقياً، وإن كان هو نفسه إدغار ألن بو، الذي لم يعش السعادة، لا في الهواء الطلق ولا في حقول الفلّاحين، ولم يعش سوى نحو أربعين عاماً ربما لم تكن كافية لحب امرأة، ولم يجد ولو جنة صغيرة له على الأرض، ومات وحيداً على مقعد في حديقة، بعدما صنع لنفسه شمعة مسمومة، وحوّل الظل إلى رجل يتكلم.
