نعت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، الفنانة الكويتية القديرة حياة الفهد، وكتبت في تغريدة على حساب سموها في منصة «إكس»: «بخالص التعازي والمواساة نتقدم لعائلة وأصدقاء الفنانة الكويتية حياة الفهد.. برحيلها نفقد قامة فنية كبيرة، تركت علامة فارقة في ذاكرة الدراما الخليجية والعربية. رحمها الله وأسكنها فسيح جناته. إنا لله وإنا إليه راجعون».
خيم الحزن على الوسط الفني الخليجي والعربي، أمس، بعد الإعلان، عن وفاة الفنانة الكويتية القديرة حياة الفهد التي لُقبت ب«سيدة الشاشة الخليجية»، عن عمر ناهز 78 عاماً، عقب مسيرة امتدت لأكثر من 6 عقود تركت خلالها بصمة راسخة في تاريخ الدراما العربية، لتفقد الشاشة الخليجية برحيلها واحدة من أبرز أيقوناتها.
وأعلنت الصفحة الرسمية لمؤسسة الفهد للإنتاج الفني عبر «إنستغرام» نبأ الوفاة، في بيان جاء فيه: «إنا لله وإنا إليه راجعون.. بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى الفنانة القديرة حياة الفهد، التي وافتها المنية بعد معاناة مع المرض، إثر مسيرة حافلة بالعطاء الفني والإنساني»، مؤكدة أنها كانت «رمزاً من رموز الدراما الخليجية، وتركت إرثاً خالداً سيبقى في ذاكرة الأجيال».
جاء رحيل «سيدة الشاشة الخليجية» بعد أزمة صحية بدأت في أغسطس/آب 2025 حين نُقلت إلى المستشفى إثر جلطة دماغية، لتدخل مرحلة علاجية دقيقة حظيت بمتابعة واسعة من جمهورها.
ونعت وزارة الإعلام الكويتية حياة الفهد. وقالت في بيان إن الفنانة الراحلة «عرفت بموهبتها الفريدة والتزامها المهني العالي وحرصها على تقديم أعمال هادفة، فكانت مثالاً للفنانة المخلصة التي جمعت بين الإبداع والرسالة، وتركت بصمة خالدة في ذاكرة الفن الكويتي والخليجي».
كما نعاها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، وجمعية الفنانين الكويتيين، والهيئة العربية للمسرح، وعدد من الفنانين.
وأثار نبأ وفاة حياة الفهد موجة واسعة من الحزن في الوسطين الفني والإعلامي، إذ تسابق فنانون من دول عدة إلى نعيها بكلمات مؤثرة والتذكير بمكانتها في الدراما الخليجية.
التعلّم الذاتي
ولدت حياة أحمد يوسف الفهد في 15 إبريل/نيسان 1948 في الكويت، في منطقة شرق، قبل أن تنتقل مع أسرتها في طفولتها إلى المرقاب. ونشأت في ظروف اجتماعية متواضعة، وفقدت والدها في سن مبكرة، ولم تكمل تعليمها النظامي، لكنها عوّضت ذلك بالتعلّم الذاتي، فأتقنت القراءة والكتابة بالعربية الفصحى والإنجليزية.
بدأت مسيرتها مذيعةً في إذاعة الكويت بين عامي 1965 و1968، وقدّمت خلالها عدداً من البرامج. أما دخولها التمثيل فبدأ حين كانت تعمل موظفة في مستشفى الصباح، حيث تعرّفت إلى فرقة «أبو جسوم». وواجهت معارضة شديدة من أسرتها، لكنها تمسكت برغبتها حتى نالت موافقتهم وبدأت مشوارها الفني في مسلسل «عايلة بو جسوم» عام 1962.
البدايات
تنتمي حياة الفهد إلى الجيل المؤسس الذي واكب البدايات الأولى للتلفزيون والمسرح في الكويت، وشارك في وضع اللبنات الأولى للدراما الكويتية. وخلال السبعينات من القرن الماضي، أخذ حضورها يتسع تدريجياً في التلفزيون والمسرح، مع أعمال بارزة مثل «الحدباء» (1970)، و«حبابة» (1978)، و«الأشجار تموت واقفة» (1979). وفي هذه المرحلة، بدأت تتبلور ملامح أدائها، من بساطة في التعبير إلى قرب من البيئة المحلية، وقدرة على منح الشخصيات اليومية عمقاً يتجاوز ظاهرها. كما شاركت في فيلم «بس يا بحر» (1971)، أحد أبرز المحطات المبكرة في تاريخ السينما الكويتية.
والتحول الأوضح في مسيرتها جاء في الثمانينات، وهي المرحلة التي رسّخت مكانتها نجمة أولى في الدراما الخليجية، وبرزت خلالها ثنائياتها مع الفنانين سعاد عبد الله وغانم الصالح. وفي «خالتي قماشة» (1983) قدّمت واحدة من أشهر شخصياتها، في عمل مزج بين الكوميديا والنقد الاجتماعي، وبقي من أكثر الأعمال التصاقاً باسمها. ثم جاء «رقية وسبيكة» (1986) ليكرّس حضورها الجماهيري، عبر صورة قريبة من الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية في البيئة الخليجية. كما برزت في «على الدنيا السلام» (1987)، الذي جمعها أيضاً بسعاد عبد الله وغانم الصالح، وشكّل محطة إضافية في تثبيت حضورها لدى الجمهور.
ومع مرور السنوات، تحوّلت إلى اسم ثابت في خريطة المواسم الدرامية الخليجية، قادراً على الانتقال بين الكوميديا والتراجيديا، وبين الشخصيات الشعبية والأدوار الاجتماعية المركّبة، فلقبت ب «سيدة الشاشة الخليجية»، وظل الاسم يلازمها في الصحافة والوجدان الشعبي على السواء.
وفي التسعينات، لم تعد حياة الفهد ممثلة فحسب، بل دخلت مجال الكتابة، وشاركت في صياغة الأعمال التي تؤديها، وقدّمت نصوصاً مثل «سليمان الطيب» (1993) و«الدردور» (1999)، في مرحلة بدأت فيها الدراما الخليجية تميل إلى طرح قضايا اجتماعية أكثر وضوحاً، تعكس تغيّر بنية الأسرة وأنماط الحياة.
ومع الألفية الجديدة، واصلت حضورها في أعمال تركز على العلاقات داخل العائلة وتوتراتها، في سياق إنتاج تلفزيوني توسّع مع انتشار الفضائيات. وكان «جرح الزمن» (2001) محطة بارزة أعادت تثبيت حضورها لدى جمهور أوسع. وخلال هذه المرحلة، جمعت بين التمثيل والكتابة والإنتاج، وشاركت في تقديم أعمال تنطلق من واقع المجتمع وتعيد صياغته درامياً دون مبالغة أو زخرفة.
متابعة واسعة
في السنوات الأخيرة، حافظت حياة الفهد على حضورها في المواسم الرمضانية بأعمال لاقت متابعة واسعة. من أبرزها «مع حصة قلم» (2018)، الذي تناول فقدان الذاكرة وتأثيره في العلاقات داخل الأسرة، و«حدود الشر» في 2019، و«أم هارون» (2020)، الذي أثار جدلاً واسعاً مع تناوله قصة قابلة يهودية في مجتمع خليجي، وهو موضوع نادر الطرح في الدراما.
أما «مارغريت» (2021)، فعالج مسألة الهوية والانتماء عبر شخصية تعيش بين ثقافتين مختلفتين. وفي 2024، غابت للمرة الأولى منذ نحو 27 عاماً عن السباق الرمضاني، بعد حضور سنوي شبه ثابت، وكان آخر ظهور فني لها في رمضان في عام 2025 من خلال مسلسل «أفكار أمي»، قبل أن يختتم رحيلها مسيرة ظلت خلالها حاضرة في ذاكرة الجمهور وبيوت العرب.
مسرح وسينما وشعر
إلى جانب التلفزيون، ظل المسرح جزءاً من مسيرة حياة الفهد منذ البدايات، من «الضحية» (1963) وصولاً إلى أعمال لاحقة، من دون أن تنقطع صلتها به. وفي السينما، شاركت في «بس يا بحر» (1971)، أحد أبرز الأفلام الكويتية المبكرة، ثم عادت لاحقاً في «نجد» (2020). كما أصدرت ديواناً شعرياً بعنوان «عتاب» في أواخر سبعينات القرن الماضي، وكتبت مسلسلات للإذاعة منها 150 حلقة بعنوان «فدى أرضك».
جوائز وتكريمات
تزوجت حياة الفهد عام 1965 وأنجبت ابنتها سوزان عام 1967، قبل أن تنفصل، ثم تزوجت لاحقاً من الفنان اللبناني محمود حمدي، وارتبط اسمها أيضاً برعاية عدد من الأطفال ضمن محيطها الأسري. وحصلت على جوائز وتكريمات عدة، من بينها الجائزة التقديرية في الكويت، كما كرّمت إلى جانب سعاد عبد الله في «جوي أووردز» عام 2023.