بين الرئيس الأرجنتيني الأسبق خوان بيرون (1895-1974)، والشاعر خورخي لويس بورخيس (1899-1986) ابن بلده، حكاية تُروى على طريقة بورخيس نفسه، بسخرية ومرارة هو الذي رثى نفسه وهو حيّ، حين قال في إحدى قصائده: «يا لقسمةِ بورخيس.. ما من غريب مثلك»، ولكن قبل الحكاية، يطيب للقارئ أن يعرف شيئاً ولو صغيراً بين ما كان عليه الرئيس، وما كان عليه الشاعر.
كان الرئيس ملاكماً ويحب التزلج وقراءة كتب التاريخ والفلسفة، وكان الشاعر مولعاً بالنمور والأطالس والمكتبات، وكان يقول: «أتصور دائماً أن جنة الخلد مكتبة» (ترجمة: محمد عيد إبراهيم)، ولأن بورخيس يكتب بلغة الحياة والحرية والحب، تضايق خوان بيرون من هذه الطبيعة الشعرية التي لا تتلاءم وطبيعة جنرال مهووس بالحكم، وينجو من الانقلابات العسكرية ليعود ثانية إلى سدة الحكم.
وضع خوان بيرون نقيضه بورخيس في موضع العدوّ، ولذلك، فصله من عمله كأمين لمكتبة البلدية في بيونس آيريس، ولم يكتف بفصله فقط، بل ذهب أكثر من ذلك إلى إهانته، وذلك حين عيّنه «مفتش دواجن» في سوق البلدية.
بورخيس أمام هذه الإهانة سارع من فوره إلى تقديم استقالته، وراح يعيش من قلمه، ثم تدور الأيام ويجري خلع خوان بيرون عن رئاسة الأرجنتين في انقلاب عسكري عام 1955، ونُفي خارج الأرجنتين، وهنا، يعود بورخيس مرة ثانية أميناً لأكبر مكتبة في عاصمة بلاده، لكن قصة الرئيس والشاعر تشبه البوّابة الدوّارة، فقد عاد بيرون من منفاه إلى الأرجنتين وأعيد انتخابه رئيساً في العام 1973، وهنا مرة ثانية استقال بورخيس من فوره، لكن بيرون لم يحكم في المرة الثانية طويلاً، إذ توفي بعد عام واحد من فترة رئاسته الثانية في العام 1974، لتنتهي بذلك حكاية صراع الديكة بين الشاعر والرئيس.
تأملت هذه الشدّ العصبي والنفسي بين خوان بيرون وبورخيس، وغبطت الشاعر الذي يبدو من هذه الحكاية أنه فعلاً محظوظ، فإن عقاباً مثل مفتش دواجن أهون مئة مرة من السجن، أو التصفية المعنوية أو الجسدية.
معروف عن بعض جنرالات أمريكا اللاتينية عدم الرحمة حتى لو كان من يقف أمام الجنرال ماركيز، أو ماتشادو، أو ألبيرتي، غير أن بورخيس نجا بريشته كما يقولون، ربما لأنه ساخر كبير، يرى أن الحياة جملة، وأن «جزر الفوكلاند معركة بين أصلعين على مشط».
