ليست هي المرة الأولى التي يوضع لبنان في موقع إقليمي لا قدرة له على التأثير في قضاياه، ومن بينها وقف اطلاق النار الذي أعلن بين أمريكا وإيران وإسرائيل، بعد مواجهات ضروس كان لبنان طرفاً رئيسياً ومباشراً فيها، وعلى الرغم من ذلك لم يكن له كلمة فيها، سوى انتظار الوعود من الأطراف الفاعلة في الحرب، وتحديداً أمريكا، في حين إن إسرائيل كانت واضحة في مواقفها من موضوع لبنان لجهة عدم ربط موقعه بأيّ اتفاق يمكن التوصل اليه، ولذلك استمرت في عملياتها العسكرية وبشكل واسع، إلى أن أعلن الرئيس الأمريكي وقفاً لإطلاق النار يوم 17 نيسان/ إبريل الجاري.
وفي واقع الأمر، لبنان الذي يعتبر الحلقة الأضعف حالياً بعد وقف إطلاق النار، سيتابع موقعه وفقاً للرؤى الأخرى، وبخاصة الإسرائيلية، وسوابق ذلك وضع لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، حيث استمر بتلقي الضربات من دون الرد عليها، على الرغم من الخسائر البشرية الكثيرة التي تكبّدها، وما يعزز تلك الصورة أن تعاد ظروفها ووقائعها حالياً، بخاصة أن إسرائيل تابعت عملياتها في لبنان من دون اعتبار لإعلان وقف إطلاق النار.
وإذ يدخل لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لكنه سيظل موقعاً للتجاذب بين القوى الفاعلة، وهي إسرائيل وايران، باعتباره ساحة لممارسة الضغوط الأمنية والعسكرية، ومحاولة صرفها لاحقاً، وهنا تبدو الظروف أكثر صعوبة.
إن موقف إيران من وحدة الجبهات، ومنها لبنان، هو إعلان واضح من قبل طهران، لكنها هل هي قادرة على فرضه وإلزام إسرائيل وإجبار الولايات المتحدة على ذلك؟ إن التدقيق في المجريات العسكرية وما آلت اليه، لا يعطي صورة واضحة عن طبيعة الضغوط التي يمكن أن تستعمل لضم لبنان الى اتفاق مع إسرائيل من خلال المفاوضات، وهل سيظل ورقة مساومة في واقع إقليمي ضاغط لن يكون بمقدوره التكيف معه، ومحاولة الاستفادة منه؟ بخاصة أن الحرب الأخيرة أفرزت واقعاً قاسياً لجهة تداعيات إدخال دول الخليج في الحرب عنوة، وبالتالي لم يعد للبنان أيّ طرف قادر على مساعدته، والوقوف الى جانبه في حال استمر في المواجهة مع إسرائيل.
اليوم تبدو الأمور أكثر تعقيداً، لم يعد البرنامج النووي الإيراني وحده على طاولة المفاوضات، بل سيكون البرنامج الصاروخي موضوعاً رئيسياً، وهو أمر رفضت طهران سابقاً بحثه، أو فتح المجال للتفاوض فيه، علاوة على رفع العقوبات المفروضة على طهران، والبحث في مجموعة حلفائها في المنطقة، كلبنان والعراق واليمن، وبالتالي، ثمة قضايا ثقيلة سيكون التنازل فيها أمراً صعباً، ما ينعكس على ظروف المفاوضين، وما يملكون من أوراق تسهم في تقوية المواقف التفاوضية، أو إضعافها.
ربما قدر لبنان في الواقع الجيوسياسي الموجود فيه، أن يكون دائماً في الموقع الأصعب، حيث يواجه مطالب لا قدرة له على اتخاذ قرارات فيها، وهو أمر يعزز الانقسام الداخلي الذي يعانيه، ويصعّب موقعه ووضعه الخارجي، بخاصة أن الظروف المستجدة هي أكثر قساوة وحدّة، على مستقبله ووجوده، لاسيما وأن مخاطر تفكّكه باتت أمراً واضحاً، إذا لم يحاول أبناؤه الحفاظ على أدنى مكوناته الوجودية.
خلاصة القول، أن وقف إطلاق النار الإقليمي الذي أعلن عنه، وبدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وسط شد وجذب كبيرين، يبدو أكثر حراجة للبنان، فهو من جهة غير قادر على فرض نفسه فيها، وإن تمكن من ذلك لا يمتلك القدرة والقوة على فرض ما يريد فيها، كما أن الأطراف فيها لا مصلحة لهم في مواجهات قوية خلال التفاوض من أجله، فهو لا يملك أوراقاً قوية، بل مطلوب منه التزامات كثيرة، من بينها موضوع السلاح، وقرار الحرب والسلم، عدا عن قضايا كثيرة ذات الصلة بالسيادة.
