الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

هل أفل زمن الرفاه الأوروبي؟

25 أبريل 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 25 أبريل 00:11 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
لم تعد أوروبا تلك القارة الهادئة التي تنعم بالرفاهية تحت المظلة النووية الأمريكية، فاليوم تجد نفسها في عين العاصفة، محاصرة بين نيران تشتعل في شرقها الأوكراني، وأخرى تنفجر في الشرق الأوسط، المشهد في بروكسل وبرلين وباريس لم يعد يتحدث عن خطط التنمية المستدامة بقدر ما يتحدث عن «عقيدة البقاء»، في تحول دراماتيكي يعيد رسم ملامح القارة التي ظنت يوماً أن الحروب الكبرى باتت جزءاً من التاريخ.
تأتي تصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الأخيرة لتضع النقاط على الحروف، فالاستقرار الأوروبي بات رهيناً لصراعات تتجاوز حدود القارة، حيث إن الحرب التي تقودها واشنطن في الشرق الأوسط ضد إيران لم تعد مجرد «صراع إقليمي» في نظر الأوروبيين، بل تحولت إلى «نزيف اقتصادي» حاد، فالأسعار الجنونية للطاقة، والتهديد بموجات لجوء غير مسبوقة، كلها عوامل دفعت العواصم الأوروبية لرفع شعار «ليست حربنا»، في تمرد صريح على سياسات دونالد ترامب، التي يراها الأوروبيون حرباً لم يستشاروا فيها.
والمفارقة هنا تكمن في «المستفيد الخفي»، فروسيا التي يحاول الغرب خنقها، تقتات اليوم على اشتعال أسعار النفط الناجم عن توترات مضيق هرمز، وهذا ما حذر منه وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل بوضوح، إذ إن انشغال العالم بملف إيران قد يمنح موسكو «قبلة الحياة» اقتصادياً، ويصرف الأنظار عن دعم أوكرانيا، ما يعني أن انتصار روسيا «الجيوسياسي» قد يأتي من بوابة الشرق الأوسط.
هذا الواقع المرير دفع القارة نحو «عسكرة» متسارعة، فوزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس يقود تحولاً تاريخياً لزيادة أعداد الجيش، متجاوزاً كل المحرمات السياسية التي فرضتها حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لكن السؤال المطروح: هل تكفي المليارات المخصصة للتسلح لردم الفجوة؟ الإجابة تبدو محبطة، فالمصانع الأوروبية لا تزال عاجزة عن مضاهاة وتيرة الإنتاج الروسي، ما يجعل «الاستقلال الاستراتيجي» الذي ينادي به الرئيس الفرنسي ماكرون مجرد طموح يصطدم بواقع صناعي متهالك.
وعلى وقع تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتقليص حماية «الناتو»، تجد أوروبا نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، إما التبعية المطلقة لإملاءات البيت الأبيض، أو المضي في بناء «ناتو أوروبي» يضم قوى مثل تركيا وبريطانيا، وهنا تبرز أهمية تحذيرات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أدرك أن عسكرة أوروبا من دون رؤية سياسية واتفاق سلام شامل قد تسرع من وتيرة الصدام الشامل.
أوروبا تودع اليوم عصر «الرفاهية» لتدخل عصر «الاستعداد الدائم»، فالفراغ الأمني الذي قد يخلفه الانسحاب الأمريكي المحتمل لن يُملأ بالخطابات، بل بكلفة باهظة قد تلتهم ميزانيات الرعاية الاجتماعية وتغير طبيعة الحياة في القارة العجوز إلى الأبد.
لقد استفاقت أوروبا على حقيقة مفادها أن الجغرافيا لا ترحم، وأن أمنها لا يبدأ من حدودها، بل من استقرار الشرق الأوسط وهدوء السهول الأوكرانية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه