صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
علي قباجة
كاتب
أحدث مقالات علي قباجة
6 يونيو 2026
تثبيت الاحتلال ونسف السلام

في انتهاك جديد يكشف عن النوايا الحقيقية للحكومة الإسرائيلية اليمينية، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن خطة توسعية تقضي ببناء أكثر من ألفي وحدة استيطانية في الضفة الغربية.

هذا الإعلان الخطر ليس مجرد إجراء إداري أو مشروع استيطاني عابر، بل هو حلقة جديدة في مسلسل ممنهج يقوده وزراء يمينيون، ويهدف بالدرجة الأولى إلى تغيير شامل في معالم الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، وقطع الطريق نهائياً أمام أي أمل متبق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة ومتصلة جغرافياً.

الخطورة البالغة في تصريحات سموتريتش لا تكمن فقط في الأرقام وتوزيعها الاستراتيجي، بل في الفلسفة السياسية العنصرية التي تنطلق منها، فالرجل لم يتردد في القول علانية إن هذه الوحدات الجديدة تهدف مباشرة إلى «ترسيخ حقائق واضحة على الأرض تمنع إقامة دولة عربية في قلب إسرائيل»، هذا الاعتراف يمثل تحدياً صارخاً للإرادة الدولية، ونسفاً مقصوداً لكل المرجعيات والقرارات الأممية التي تُجمع بلا مواربة على أن الاستيطان غير قانوني، ويشكل العقبة الكبرى والأساسية أمام تطبيق حل الدولتين لتحقيق سلام عادل وشامل في المنطقة.

وزراء حكومة بنيامين نتنياهو يمارسون بلا مواربة سياسة فرض الأمر الواقع، مستغلين حالة التراخي الدولي، على الرغم من أن عواصم أوروبية كبرى مثل لندن وباريس فرضت عقوبات على سموتريتش بتهمة التحريض على العنف ضد الفلسطينيين، إلا أن هذه الإجراءات تظل خجولة وقاصرة، ولا ترقى إلى مستوى الردع الفعلي، فإسرائيل لا تأبه بالعقوبات الرمزية ما دامت لا تواجه ضغطاً حقيقياً أو تضع حداً لانتهاكاتها المستمرة لسيادة القانون الدولي.

المفارقة تكمن في التوقيت والظروف الراهنة، فالمنطقة تعيش على صفيح ساخن، والسياسات الاستفزازية المستمرة لن تؤدي إلا إلى دفع المنطقة نحو مزيد من جولات التصعيد المدمر، لذلك فإن زرع هذه الوحدات الاستيطانية بالقرب من القدس ونابلس والخليل وعزل المدن الفلسطينية وتحويلها إلى كانتونات معزولة، وجعل فكرة «طموحات الاستقلال» الفلسطينية أمراً مستحيلاً من الناحية العملية، وهو الهدف الجوهري الذي يسعى إليه قادة الاستيطان منذ سنوات طويلة، قد يشعل شرارة جديدة في الضفة.

أمام المجتمع الدولي، وخاصة الإدارة الأمريكية، فرصة إنهاء هذا «الجنون الإسرائيلي»، من خلال اتخاذ موقف حازم يتجاوز لغة الدبلوماسية التقليدية إلى خطوات عقابية عملية تلزم تل أبيب بوقف التمدد الاستيطاني. ومن دون ذلك، ستبقى كل الأحاديث والوعود عن السلام مجرد أوهام تبددها الجرافات الإسرائيلية يومياً على أرض الضفة الغربية، لذا فإن الاستقرار لن يتحقق في هذه المنطقة عبر مصادرة الحقوق وتثبيت الاحتلال، بل عبر منح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في دولة مستقلة عاصمتها القدس.

[email protected]

30 مايو 2026
طبول الحرب على الشواطئ الكوبية

تثبت التطورات الأخيرة في منطقة الكاريبي أن لغة التصعيد المتزايد والتلويح المباشر بالخيار العسكري لا تزال الأداة الحاضرة لدى الإدارة الأمريكية في التعامل مع الملفات الدولية المعقدة، فبينما لم تكد تهدأ جبهات الصراع في مناطق أخرى من العالم، يطرح الرئيس دونالد ترامب معادلة جديدة، متعهداً بإرسال حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» لترسو بمحاذاة الشواطئ الكوبية، في خطوة سياسية وعسكرية واضحة تعكس رغبة واشنطن في فرض شروطها على هافانا، وإعادة صياغة واقع الجزيرة الكاريبية عبر انتهاج سياسة حافة الهاوية كأداة تفاوضية ضاغطة.

هذا التحرك العسكري يتماشى بدقة مع خناق اقتصادي أحكمته الإدارة الأمريكية عبر حزمة عقوبات نوعية وواسعة النطاق، تستهدف بشكل مباشر الشرايين الحيوية للاقتصاد الكوبي المنهك، من قطاعات الطاقة والتعدين والمعادن، وصولاً إلى المصارف الأجنبية والكيانات التي تتعامل مع الجزيرة المحاصرة.

ولم تتوقف الضغوط التي يقودها ترامب عند حدود الاقتصاد والتجارة فحسب، بل تجاوزتها إلى أبعاد أخرى غير مسبوقة، تمثلت في إعادة فتح ملفات الماضي وتوجيه اتهامات بالقتل للزعيم الكوبي التاريخي راؤول كاسترو، في خطوة ترى فيها هافانا تمهيداً لشرعنة وتبرير أي تدابير عسكرية أو سياسية حاسمة قد تتخذ في المستقبل لإسقاط النظام الحاكم هناك.

في المقابل، تجد كوبا، نفسها اليوم واقعة بين مطرقة الأزمة الاقتصادية والمعيشية الطاحنة التي شلت معظم مظاهر الحياة اليومية نتيجة الشح الحاد في إمدادات الوقود وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر، وسندان الضغوط الأمريكية المتواصلة، ومع ذلك، اختارت الحكومة الكوبية الرد الفوري عبر استدعاء الإرث الثوري والتعبئة الشعبية الحاشدة في الشوارع والميادين، في محاولة لإظهار التماسك الداخلي والالتفاف الوطني حول القيادة، متزامناً ذلك مع مناشدات دبلوماسية عاجلة وجهها وزير الخارجية برونو رودريغيز لمجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي بأسره للتدخل السريع ومنع كارثة إنسانية يفرضها حصار الطاقة الأمريكي.

ما تشهده العلاقات الأمريكية الكوبية اليوم من تدهور سريع يضع المنطقة بأكملها أمام منعطف حرج، فرغم تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي حاول فيها إبداء مرونة بالإشارة إلى أن البيت الأبيض يفضل «الحل الدبلوماسي» ومستعد للحوار من أجل مصلحة الشعب الكوبي، فإن الشواهد والوقائع الحقيقية على الأرض -من مراقبة جوية مكثفة، وتوجيه اتهامات لراؤول كاسترو، وتسريب تقارير استخباراتية تزعم وجود مسيرات كوبية ومستشارين عسكريين أجانب في هافانا- تشير بوضوح إلى أن خيار التصادم والمواجهة يتقدم في أروقة صناعة القرار بواشنطن، تماشياً مع استراتيجية ترامب القائمة على حشر الخصوم في الزاوية للحصول على تنازلات كاملة.

لذلك، فإن من شأن أي تصعيد عسكري أن يضيف وقوداً على العالم المشتعل أساساً، وإن خيار خفض التصعيد والجلوس إلى طاولة مفاوضات يبقى هو الخيار الأسلم، لأن عكس ذلك يعني ارتفاع صوت المدافع والذي لا يضمن دخول أطراف أخرى للصراع، كروسيا والصين الحليفتين لكوبا.

[email protected]

23 مايو 2026
«الناتو».. لحظة الحقيقة

يمر حلف شمال الأطلسي «الناتو» اليوم بأخطر تحول بنيوي منذ تأسيسه عام 1949، فالتوسع الجغرافي الأخير بانضمام فنلندا والسويد، والذي روج له كأكبر صفعة استراتيجية لروسيا، تحول سريعاً إلى قيمة محدودة في ظل اعتماد أوروبا الكبير على العباءة الأمريكية، إذ تزامن تمدد الحلف تقريباً مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والذي تبنى شعار «أمريكا أولاً»، وحوله فعلاً إلى إجراءات عملية على الأرض.

​لم يعد «الانكفاء الأمريكي» عن أوروبا والذي تبناه ترامب مجرد تصريحات سياسية للضغط، بل تحول إلى واقع عسكري ملموس أربك العواصم الأوروبية، فقد أعلن البنتاغون خفض عدد ألوية قواته المنتشرة في القارة العجوز، بالتوازي مع خطة لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، وتأجيل نشر 4 آلاف آخرين في بولندا.

هذا التراجع العملي، الذي يعيد حجم الانتشار الأمريكي إلى مستويات ما قبل عام 2021، وضع أوروبا أمام «لحظة الحقيقة»، فالولايات المتحدة نقلت مركز ثقلها الاستراتيجي، ولم يعد أمن أوروبا ضمن أولوياتها الدفاعية الأولى، في ظل تركيزها على الصعود الصيني، ما يعني إجبار القارة على «الفطام العسكري» السريع.

​ في المقابل، تبدو روسيا في أعلى درجات جاهزيتها للمواجهة الطويلة، بعدما نجحت في تحويل اقتصادها بالكامل لخدمة المجهود الحربي، وعززت تحالفاتها العسكرية مع الصين وكوريا الشمالية. ورغم الانقسام في تقدير حجم الخطر الروسي -بين خبراء ألمان يرونه مبالغاً فيه ومبنيّاً على دعاية موسكو، ومسؤولين في دول البلطيق يطالبون بضرب عمق منطقة «كالينينغراد»- فإن الاحتكاكات الميدانية بلغت ذروتها.

فتفعيل لاتفيا لمقاتلات الناتو لاعتراض مسيرات مشتبه بها، وتزايد نشاط «أسطول الظل» الروسي في البلطيق، يثبتان أن المنطقة باتت برميل بارود قابلاً للانفجار، في لحظة خطأ لم يحسب لها حساب.

​أمام هذا المعطى المعقد، لم تقف دول شمال وشرق أوروبا مكتوفة الأيدي، حيث صاغت «خطة بديلة» للقتال من دون واشنطن، وتتطلع هذه الدول إلى «القوة الاستكشافية المشتركة» بقيادة بريطانيا، والتي تضم 10 دول إسكندنافية وبلطيقية، كإطار دفاعي مستقل يمتلك غرف قيادة وشبكات اتصال معزولة عن القيادة التقليدية للحلف، ورغم أن هذه الخطة تعاني من ضعف القدرات البريطانية وغياب قوى كبرى كألمانيا وفرنسا، فإنها تعكس قناعة أوروبية راسخة بأن الردع المبني على حليف قد يغيب وقت الحرب ليس ردعاً حقيقياً.

​إن اجتماع وزراء خارجية الناتو في السويد، تمهيداً لقمة أنقرة المفصلية في يوليو المقبل، ليس مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو اعتراف ضمني ببدء حقبة الاعتماد على الذات، ورغم محاولات التحديث العسكري في ألمانيا والدعوات الفرنسية للاستقلال الاستراتيجي، تظل الجيوش الأوروبية مكشوفة في مجالات الاستخبارات، والأقمار الصناعية، والردع النووي، ما يجعل مرحلة الانتقال الراهنة الأخطر في تاريخ القارة الغربية.

[email protected]

16 مايو 2026
قمة بكين.. دبلوماسية فوق الألغام

تخطو الدبلوماسية الدولية اليوم فوق حقل من الألغام، حيث تلتقي المصالح الاقتصادية الكبرى مع الهواجس الأمنية، وفي قمة بكين الأخيرة، لم يكن المشهد مجرد بروتوكولات واستقبالات حافلة، بل كان مواجهة صريحة بين «طموح» القوة الصاعدة و»عناد» القوة المهيمنة.

الرئيس الصيني شي جين بينغ، بلغة هادئة لكنها حازمة، وضع النقاط على الحروف أمام نظيره الأمريكي دونالد ترامب، محذراً من أن قضية تايوان ليست مجرد ملف للتفاوض، بل هي «برميل بارود» قد يشعل فتيل صراع لا يبقي ولا يذر إذا أسيء التعامل معه.

رسالة بكين كانت واضحة تماماً، العالم يتسع للجميع، و»النهضة الصينية» يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع «عظمة أمريكا»، لكن شريطة ألا يتم العبث بالخطوط الحمراء التي تمس السيادة، شي جين بينغ استدعى «فخ ثيوسيديدس» ليذكّر العالم بأن التاريخ لا يرحم القوى التي تندفع نحو الصدام بدلاً من الشراكة، ومع ذلك، بدا ترامب كعادته، يبحث عن «الصفقة» وسط الأزمات، فبينما كانت اللغة الحازمة تخيم على الكلمات، كان الرجل يتحدث بانتشاء عن صفقات طائرات «بوينغ» ال200، وعن وعود صينية بفتح أبواب التجارة على مصراعيها، وكأن لغة الأرقام هي البلسم الوحيد لجراح السياسة العميقة.

لكن المثير للاهتمام في هذه القمة هو الملف الإيراني الذي فرض نفسه بقوة على الطاولة، حيث تعهدت الصين بعدم تزويد طهران بمعدات عسكرية، كما عرضت المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز المغلق، وهذا التحول يشير إلى أن الصين، رغم منافستها الشرسة لواشنطن، لا ترغب في رؤية انهيار كامل لاستقرار خطوط الطاقة العالمية، وهي رسالة طمأنة ذكية التقطها ترامب وسارع لتسويقها كنجاح دبلوماسي كبير يعزز موقفه في الداخل والخارج.

ورغم «كيمياء» الصداقة التي حاول ترامب إبرازها بوصفه لشي ب»القائد العظيم»، إلا أن الواقع الجيوسياسي يظل أعقد بكثير من المجاملات البروتوكولية، فتايوان تظل مثل العقدة في المنشار، وتايبيه من جهتها تنظر بعين الريبة والقلق إلى أي تقارب قد يأتي على حساب أمنها الاستراتيجي.

ما حدث في بكين هو محاولة جادة لترميم التصدعات، لكنها محاولة محفوفة بالمخاطر، فدعوات الشراكة التي برزت تتطلب «أفعالاً» ملموسة لا مجرد «أقوال» عابرة، والوعود التي قطعها الطرفان ستوضع تحت مجهر الاختبار القاسي في قادم الأيام.

في نهاية المطاف، يبقى التساؤل الملح: هل تنجح القوتان في صياغة نموذج جديد للعلاقات يجنب العالم ويلات الصدام المدمر؟ أم أن ما حدث في بكين ليس سوى «هدنة مؤقتة» في صراع طويل الأمد على سيادة العالم؟ الأيام وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت طائرات «بوينغ» كافية للتحليق بالعلاقات بعيداً عن غيوم الحرب.

[email protected]

9 مايو 2026
ذكرى «النصر» وقود الحرب

لم تعد ذكرى «9 مايو» مجرد طقس بروتوكولي يستعرض فيه الكرملين عضلاته العسكرية في الساحة الحمراء، بل تحولت في ظل الصراع الراهن إلى مؤشر استراتيجي يقيس مدى اشتعال الجبهات.

فخلف مشهد العروض العسكرية المختصرة والمدرعات الغائبة، تكمن معادلة أمنية معقدة وضعت موسكو وكييف في حالة استنفار قصوى، حيث لم يعد الرهان على كسب الأرض فحسب، بل على حماية الرمزية السياسية من «إهانة» المسيرات أو الضربات البعيدة التي طالت العمق الروسي.

القراءة للمشهد تشير إلى أننا أمام «حرب هدن» وتكتيكات تهدف إلى رمي الكرة في ملعب الآخر، فإعلان أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار سبقه تحرك روسي مماثل، لكن الواقع الميداني كشف «زيف» هذه المبادرات التي ولدت ميتة.

بالنسبة لكييف، فإن التهديد باستهداف الداخل الروسي خلال الاحتفالات هو رسالة سياسية مفادها أن «الأمن القومي الروسي» بات مهدداً، بينما ترى موسكو في تقليص عرضها العسكري وتحذيرها من «ضربة انتقامية كبيرة» تستهدف وسط كييف، محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة تمنع أي تحرك أوكراني قد يفسد مشهد النصر السنوي.

يعكس التحذير الروسي الصارم الموجه للسفارات الأجنبية بضرورة الإخلاء، تحولاً جذرياً من الدفاع عن الحدود إلى التهديد المباشر بقطع «رأس النظام» في كييف، فموسكو التي تواجه ضغوطاً ميدانية، لا سيما بعد تقارير تشير إلى فقدانها السيطرة على بعض الأراضي في إبريل/ نيسان الماضي، تجد في ذكرى النصر فرصة لاستعادة زمام المبادرة عبر التهديد ب«الخيار الصاروخي الأقصى»، وهو نوع من الردع النفسي الذي يهدف إلى شل القدرة الأوكرانية عن التفكير في أي هجوم مباغت قد يطول الساحة الحمراء، وحلفائها أيضاً.

أما أوكرانيا فإنها تدرك أن أي تصعيد واسع في هذا التوقيت قد يمنح موسكو الذريعة السياسية لتوسيع رقعة التدمير، ومع ذلك، فإن تكثيف الهجمات بالمسيرات يؤكد أن كييف تتبع استراتيجية «الاستنزاف النوعي»، التي تركز على إحراج القيادة الروسية أمام جمهورها الداخلي عبر تقليص هيبة الاحتفالات التقليدية، لكن في المقابل فإن العرض العسكري الذي سيقام بلا معدات ثقيلة لأول مرة منذ عقود، يرسل إشارة واضحة من روسيا بأن «أدوات النصر» باتت مطلوبة على خطوط التماس في دونيتسك وزابورجيا أكثر من حاجتها في ميادين الاستعراض.

نحن اليوم أمام مشهد يتجاوز حدود المواجهة التقليدية، فالمناسبة التي خصصت لتخليد نهاية الحرب العالمية الثانية، باتت اليوم وقوداً لإذكاء صراع حديث لا يعترف بالخطوط الحمراء.

وبين الوعيد الروسي بضرب «مراكز صنع القرار» والرد الأوكراني «بالمثل»، تبدو الهدن مجرد فواصل زمنية قصيرة لجولات أكثر عنفاً، والثابت الوحيد هو أن ذكرى النصر لم تعد توحد أحداً، بل أصبحت محطة صراع يختبر فيها كل طرف قدرته على الصمود في وجه التحولات الميدانية المتسارعة، وسط غياب تام لأي أفق دبلوماسي حقيقي يوقف نزيف الميدان.

2 مايو 2026
«الإبادة الصامتة»

ما يشهده قطاع غزة اليوم يتجاوز في أبعاده المنطق السياسي أو الميداني المتعارف عليه، فهو أمام واقع إنساني مرير يعاد فيه صياغة مفهوم «العيش» ليصبح معركة يومية من أجل قطرة ماء.

فبعيداً عن صخب المدافع الذي لم يهدأ رغم هدنة أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تبرز سياسة أخرى أكثر هدوءاً لكنها أشد تأثيراً، تتمثل في تضييق إسرائيل الخناق على مقومات الحياة الأساسية للسكان، وتحويل الموارد الأساسية، وفي مقدمتها الماء، إلى ملف شائك يثقل كاهلهم.

تقرير منظمة «أطباء بلا حدود» الأخير، الذي سلط الضوء على استخدام إسرائيل «المياه كسلاح إبادة»، يضع العالم أمام أرقام وحقائق لا يمكن تجاوزها، فالحديث هنا ليس عن أزمة عابرة ناتجة عن ضغوط الحرب فحسب، بل عن تضرر طال نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي. وحين تصبح محطات التحلية والآبار خارج الخدمة، ويجد الإنسان نفسه مضطراً للمخاطرة بحياته من أجل قطرات قليلة من الماء، فإننا نكون أمام مشهد يفتقر إلى أدنى معايير الإنسانية، ويضع حياة مئات الآلاف على المحك، وهو ما يمكن وصفه أيضاً بـ«الإبادة الصامتة».

مفهوم «الندرة المهندسة» الذي أشارت إليه المنظمة الدولية يعكس واقعاً صعباً، حيث يتم التحكم في تدفق الإمدادات الحيوية ورفض دخول المواد اللازمة لمعالجة المياه وتنقيتها، وهذا النقص الحاد، حين يجتمع مع الاكتظاظ السكاني وانهيار المنظومة الصحية، يخلق بيئة مواتية لانتشار الأمراض والأوبئة التي لا تفرق بين صغير وكبير. ومن هنا، يبرز التساؤل حول الجدوى العسكرية من استمرار هذه الضغوط التي تستهدف في المقام الأول حرمان السكان من حقهم الفطري في مياه نظيفة وآمنة.

المجتمع الدولي، والقوى المؤثرة في المشهد، أمام مسؤولية حقيقية، حيث إن سعيهم لضمان وصول المياه لسكان القطاع بالمستويات التي تحفظ كرامتهم وصحتهم ليس مطلباً سياسياً، بل هو ضرورة إنسانية ملحة لمنع وقوع كارثة صحية شاملة. فالحياة لا يمكن أن تستقيم في ظل غياب شريانها الأساسي، والاستمرار في سياسة تقنين الموارد لا يؤدي إلا إلى تعميق المعاناة الإنسانية وزيادة البؤس.

غزة اليوم في أمس الحاجة إلى حلول عملية تضمن إعادة تشغيل أوسع للآبار ومحطات التحلية، وتسمح بدخول المعدات والمواد الكيميائية اللازمة لتنقية المياه، وهذا كله يدخل في بند التمسك بقيم الحق في الحياة، والاعتراف بأن حرمان البشر من الماء هو طريق مسدود لا يخدم استقراراً ولا يحقق سلاماً، بل يزرع بذور الألم في أرض لم تعد تحتمل المزيد.

قضية المياه في غزة هي المرآة التي تعكس مدى التزام العالم بالقيم الإنسانية، وحماية هذا المورد من استخدامها كسلاح حرب هو السبيل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من رمق الحياة في قطاع أرهقته الحروب، بانتظار لحظة تتدفق فيها المياه والحلول معاً.

[email protected]