لا تبدو الأزمة الأوكرانية، في فصولها المتلاحقة، مجرد صراع حدودي على «بضعة كيلومترات» كما وصفها نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، بل هي معضلة سياسية تضع النظام العالمي بأسره أمام الحقيقة المرة.
فبينما تتصاعد نبرة واشنطن الداعية إلى «الحزم» تارة، والمنتقدة للعواصم الأوروبية تارة أخرى، تظل دماء الآلاف في الجانبين تسيل في خنادق لا يبدو أن نهايتها قريبة، ما يجعل السؤال عن جدوى الاستمرار في حرب الاستنزاف هذه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خاصة مع التداعيات الاقتصادية التي خنقت القارة العجوز، وأنهكت جيوب مواطنيها.
فانس وضع إصبعه على الجرح، حين انتقد القادة الأوروبيين، معتبراً أن تقصيرهم في بذل جهود دبلوماسية كافية، يسهم في إطالة أمد النزاع الذي وصفه بأنه «الأصعب» في تاريخ التسويات السياسية المعاصرة.
هذا الانتقاد لا يعكس فقط توجهاً أمريكياً يميل نحو «الواقعية السياسية»، أو الرغبة في التخلص من أعباء الحرب، بل يكشف عن ضيق صدر واشنطن من تحمل الفاتورة الأكبر لصراع يقع في الفناء الخلفي لأوروبا، بينما تكتفي الأخيرة بدور الممول.
كييف بدورها تدرك جيداً، أن مفاتيح الحل الفعلي ليست في ردهات الاتحاد الأوروبي، حتى وإن طالبتهم بتعزيز دعمهم لها، بل في «الحزم» الذي يمكن أن تبديه الإدارة الأمريكية تجاه الكرملين، ومن هنا جاءت دعوات وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا إلى ضرورة «إجبار» موسكو على وقف إطلاق النار، خصوصاً في ظل نجاحات الدبلوماسية الأمريكية في ملفات شائكة كالملف الإيراني.
الرهان الأوكراني اليوم لا يتوقف عند حدود الصمود الميداني، بل يمتد إلى قدرة واشنطن على تحويل «الحزم» من مصطلح للاستهلاك الإعلامي، إلى أداة ضغط حقيقية تكسر جمود المشهد وتفرض واقعاً جديداً على طاولة المفاوضات. ورغم هذا الزخم، يظل بصيص الأمل معلقاً على استئناف المحادثات الثلاثية «الأمريكية-الروسية-الأوكرانية»، والمنوطة بمدى قدرة واشنطن على الموازنة بين انشغالاتها بملفات الشرق الأوسط المشتعلة، وبين التزاماتها في الجبهة الشرقية لأوروبا.
اليوم ثمة مشهد سياسي معقد، لا يحتاج فقط إلى طاولات مفاوضات مستديرة، بل إلى إرادة دولية تدرك أن كلفة السلام، مهما بلغت، تظل أرخص بكثير من ثمن الرصاص والدمار. فهل ينتصر صوت العقل، وتتحقق نبوءة «التقارب» التي تحدث عنها فانس، أم تظل دانات المدافع والصواريخ هي صاحبة الكلمة الأخيرة في صياغة تاريخ مخضب بالدم والرماد؟
المؤكد أن العالم لم يعد يحتمل مزيداً من الانتظار، وأن لحظة الحقيقة قد حانت، لوضع حد لمأساة إنسانية، يدفع ثمنها الجميع بلا استثناء، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.
[email protected]
منذ سنوات، والعالم يتحدث عن «نهاية الهيمنة الأمريكية الأحادية» وكأنها نبوءة، لكن ما نراه اليوم في أروقة مجموعة «بريكس» بعد توسعها، يشير إلى أن قطار التغيير قد انطلق بالفعل، وأن العالم الذي عرفناه منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، بدأ يفسح المجال، لواقع جديد أكثر تعدداً.
لكن السؤال يبقى، هل تنجح «بريكس»، في كسر سطوة الدولار وتقليص الهيمنة الأمريكية؟
في الواقع أن الدولار ليس مجرد عملة، بل هو «نظام عالمي» متجذر، ولا يمكن إزاحته عن المشهد، لكن ثمة سعياً لمنافسته، فتوجه العديد من دول «بريكس» نحو «التمرد الهادئ»، عبر التبادل بالعملات المحلية ليس مجرد مناورة، بل هو «إعلان استقلال» سياسي. فهناك العديد من الدول لم تعد تحتمل فكرة، أن تظل رهينة لقرار يصدر من «البنك الفيدرالي» في واشنطن، أو خاضعة لسلاح العقوبات الذي يُشهر في وجه كل من يغرد خارج السرب. وهذه التحركات محاولة لخلق «منطقة أمان» مالية تحمي السيادة الوطنية من تقلبات المزاج السياسي في الغرب، خارج النظام المالي العالمي الذي تحتكره واشنطن.
لكن الطريق نحو هذا النظام الجديد ليس مفروشاً بالورود، فداخل «بريكس» مليء بالتناقضات، والتنافس الصيني الهندي، على سبيل المثال، يمثل تحدياً حقيقياً، فكيف يمكن لخصمين لديهما نزاعات حدودية وتنافس على زعامة آسيا، أن يجلسا على طاولة واحدة لرسم سياسة عالمية موحدة؟ لكن يبدو أن هناك قبولاً مبدئياً من هاتين القوتين للتعاون، لإدراكهما أن العمل الجماعي هو السبيل الوحيد لإعادة توازن الكفة أمام الغرب، وهو ما يجعلهم يضعون الخلافات جانباً لصالح «الكعكة الكبرى» وتغيير قواعد اللعبة الدولية التي ظلت جامدة لعقود.
وفي قلب هذه المعادلة، يأتي الدور العربي، ليعطي للمجموعة ثقلاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله، فانضمام دول عربية وازنة ل«بريكس» ليس مجرد تغيير في التحالفات، بل هو ممارسة ذكية لسياسة «توازن القوى». فهم يمدون يداً للغرب، بينما يفتحون الأبواب على مصاريعها لاستثمارات الشرق، وهذا التموضع العربي الجديد، يعكس وعياً بضرورة بناء جسور اقتصادية، تؤمن المستقبل بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
ما يحدث اليوم يتجاوز حدود التكتلات التجارية، بل «مخاضاً» لنظام عالمي جديد، سيتعين فيه على القوى التقليدية الاعتراف بأن هناك شركاء جدد على الطاولة. قد لا يسقط القطب الواحد، لكن الأكيد أن الطاولة لم تعد تتسع لشخص واحد فقط.
دول «بريكس» قررت أن تكتب مستقبلها بأيديها، وفي هذا العالم الجديد، البقاء ليس للأقوى عسكرياً فحسب، بل للأكثر قدرة على المناورة وبناء الشراكات العابرة للقارات، وتطويع الجغرافيا لخدمة الاقتصاد والسيادة معاً.
ويبقى السؤال الأبرز.. هل سترضى واشنطن بالوقائع الجديدة، أم ستبقى تقاوم حتى النفس الأخير؟
[email protected]
منذ اللحظة التي عبرت فيها الدبابات الروسية الحدود الأوكرانية في فبراير/ شباط 2022، لم تعد النقاشات داخل أروقة حلف «الناتو» ترفاً فكرياً، بل تحولت إلى استنفار يطرح السؤال الأصعب، هل يواجه الحلف خطر الزوال كما يؤكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أم أنه يمر بمرحلة إعادة ولادة قيصرية؟
الواقع يقول إن الحلف اليوم يقف بين مطرقة الطموحات الروسية التي لا يبدو أنها ستقف عند حدود كييف وفق الكثير من القادة الأوروبيين، وسندان الضغوط الأمريكية المتزايدة التي سئمت من لعب دور «الممول الأكبر» لأمن القارة العجوز، وهي فجوة استراتيجية يحاول الكرملين استغلالها بكل طاقته لإعادة رسم خرائط النفوذ العالمي.
التحدي الأبرز الذي يواجه «الناتو» ليس عسكرياً فحسب، بل هو تحدي «الإرادة السياسية» والتجانس الداخلي، فبينما تحذر أجهزة الاستخبارات ومسؤولون مثل مارك روته من هجوم روسي محتمل على دول الحلف خلال سنوات قليلة، تبرز أصوات من داخل البيت الأوروبي، كصوت رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان، تدعو إلى «واقعية سياسية» يراها الكثيرون استسلامية، عبر تحويل أوكرانيا إلى منطقة عازلة والاعتراف بقوة روسيا كأمر واقع.
هذا الانقسام في الرؤى يغذي البروباغندا الروسية التي تراهن على تآكل وحدة الصف الغربي مع مرور الوقت واستنزاف المخازن العسكرية، ما يجعل موسكو تترقب اللحظة التي ينهار فيها هذا «الإجماع الهش» تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والداخلية في دول القارة.
وعلى الجانب الآخر من المحيط، لم يعد التذمر الأمريكي من ضعف الإنفاق الدفاعي الأوروبي مجرد «عتاب حلفاء»، بل صار تهديداً صريحاً لتماسك الحلف، فواشنطن، التي تنظر بعين الريبة لصعود قوى دولية جديدة في آسيا، لم تعد مستعدة لحمل عبء الأمن الأوروبي وحدها، بينما تكتفي دول القارة بوعود لرفع ميزانياتها الدفاعية إلى 5% من ناتجها المحلي. هذا الضغط دفع أوروبا لبدء أكبر حملة تسلح منذ عقود، لكن بناء الجيوش وتحديث العقائد العسكرية لمواجهة حروب «المسيرات» والحروب السيبرانية يحتاج لسنوات، وهو وقت قد لا يمنحه بوتين لخصومه الذين يصارعون لتأمين إمداداتهم الدفاعية المنهكة.
إن ما تسعى إليه روسيا اليوم يتجاوز مجرد نصر عسكري في الميدان الأوكراني، فهي تحاول فرض «هيكل أمني» جديد ينهي هيمنة القطب الواحد ويمحو أثر «الناتو» في الشرق، مستندة إلى تحالفات صاعدة مثل منظمة شنغهاي و«بريكس»، وبالتحالف مع الصين.
وفي ظل هذا الصراع، تجد الدول الأوروبية نفسها في سباق مع الزمن، فإما أن تثبت للكرملين أن لديها الإرادة والقدرة على الدفاع عن كل شبر من أراضيها، أو أن نبوءة لافروف حول «زوال المنظمات الغربية» قد تجد طريقها للتحقق إذا استمر الشرخ في الاتساع بين ضفتي الأطلسي، وبين العواصم الأوروبية ذاتها.
الحقيقة المرة هي أن السلاح وحده لن يحمي أوروبا، بل الإيمان الصادق بأن ثمن الوحدة اليوم، مهما غلا، يبقى أرخص بكثير من ثمن المواجهة الشاملة غداً.
علي قباجة
تشهد الخريطة السياسية الدولية تحولات عميقة تعيد رسم ملامح النفوذ العالمي، إذ تتبنى الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب نهجاً يقوم على مبدأ «الحسم الاستراتيجي» وإعادة تأكيد الهيمنة العالمية.
لم تعد التصريحات الأمريكية مجرد مناورات دبلوماسية عابرة، بل باتت تعكس رؤية ترى في «القوة القصوى» وسيلة وحيدة لتثبيت الاستقرار وفق المنظور الأمريكي، وهو ما تجلّى بوضوح في التعامل مع ملفات شائكة بدءاً من فنزويلا التي خضعت لضغوط غير مسبوقة واختطاف رئيسها، وتهديد كوبا وصولاً إلى الحرب مع إيران.
اليوم، تبرز كوبا كحلقة جديدة ومحورية في هذا المسار، فتصريحات ترامب بأن «كوبا في وضع سيئ للغاية»، وأن هناك «تحركاً وشيكاً»، تضع أمريكا اللاتينية بأكملها أمام استحقاق سياسي كبير ومفصلي.
هذا التوجه الذي يجد صدى واسعاً لدى صقور الإدارة، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، يشير إلى رغبة واشنطن الأكيدة في إغلاق ملفات «الحديقة الخلفية» نهائياً، ودمج هذه المناطق ضمن الدائرة الاقتصادية والسياسية الأمريكية، مستندة إلى حالة الإنهاك التي يعيشها الاقتصاد الكوبي تحت ضغط الحصار النفطي والضغوط الهيكلية المتزايدة.
هذه التحركات ليست مجرد ردود أفعال ارتجالية تفرضها اللحظة، بل هي جزء أصيل من استراتيجية «القطب الأوحد» التي تسعى واشنطن من خلالها للحفاظ على تفوقها المطلق في مواجهة القوى الكبرى الصاعدة كالصين وروسيا، حيث إن صراعاتها الحالية جزء من استعراض قوة وتقليص نفوذ هاتين الدولتين المنافستين. فالصين وروسيا صرّحتا علانية برغبتهما في صياغة عالم «متعدد الأقطاب»، وهو ما تعتبره واشنطن تحدياً وجودياً لمصالحها الحيوية.
في المقابل، تبرز قضية «مقاومة الواقع»، فالرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل أكد أن التهديدات الخارجية ستواجه ب«مقاومة منيعة».
هذا الانقسام الحاد بين إرادة التغيير الأمريكية وإصرار هافانا على خياراتها السياسية يضع المنطقة على صفيح ساخن، ويثبت أن فرض الإرادة السياسية لا يمر دائماً عبر القنوات السهلة. لكن أياً كانت المخططات الأمريكية، سواء في أمريكا اللاتينية أو خارجها، فإنها تسير على حد رفيع، والانزلاق عنه بخطوات غير محسوبة قد يقود إلى تدخل دول كبرى، ما يجعل نطاق الصراع يخرج عما هو مرسوم له.
الخطورة الحقيقية في هذا المشهد المعقد تكمن في تضاؤل مساحات المناورة الدبلوماسية أمام لغة التهديد والوعيد. ففي ظل تسارع الأحداث من حوض الكاريبي وصولاً إلى بؤر الصراع في الشرق الأوسط، يُخشى من أن يؤدي «تراكم الأزمات» المفتوحة إلى صدام كوني غير محسوب العواقب. وفي عالم مدجج بالترسانات الحربية التي تتوفر فيها الأسلحة النووية كخيار ردع أخير، يصبح أي خطأ في الحسابات الاستراتيجية بمثابة شرارة قد تشعل حرباً عالمية شاملة لا رابح فيها، حيث سيكون السلاح النووي، للأسف، أول الحاضرين في أي مواجهة كبرى تخرج عن الأطر التقليدية المتعارف عليها.
[email protected]
علي قباجة
في العادة، لا تختزل الحروب الكبرى في سبب واحد فقط، بل تقف خلفها مجموعة من الحسابات والمصالح التي تتشابك معاً. وما يجري اليوم في المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران يمكن فهمه في هذا الإطار، فالمشهد يبدو للوهلة الأولى صراعاً يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وتهديداته لإسرائيل، لكنه في العمق يرتبط بتنافس دولي أوسع يتجاوز حدود المنطقة.
الولايات المتحدة تقول إن هدفها الرئيسي هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي قد يهدد أمن حلفائها ويزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهذا هدف واضح ومعلن. لكن هناك أيضاً حسابات أخرى تتعلق بموقع إيران في سوق الطاقة العالمي، وبعلاقاتها المتنامية مع الصين وروسيا.
فإيران تعد أحد المصادر المهمة للنفط بالنسبة للصين، التي تحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة للحفاظ على نموها الاقتصادي، ومن هنا فإن الضغط على إيران قد لا يتعلق فقط بملفها النووي، بل أيضاً بتقليص قدرتها على تزويد الصين بالنفط أو التحكم به في الحد الأدنى. وبمعنى آخر، فإن واشنطن تنظر إلى المنافسة مع بكين باعتبارها التحدي الأكبر في السنوات المقبلة، وتسعى إلى الحد من الأدوات التي قد تعزز قوة الصين الاقتصادية، ولهذا السبب قصفت أجنحة فنزويلا، وتلوح الآن بالسيطرة على غرينلاند.
لكن الصورة تكتمل عند النظر إلى موقف القوى الأخرى، فالصين وروسيا تدركان أن انخراط الولايات المتحدة في حرب طويلة قد يستهلك جزءاً كبيراً من طاقتها، وفي السياسة الدولية كثيراً ما تحاول الدول الكبرى استغلال انشغال خصومها في أزمات أخرى من أجل تعزيز مواقعها.
روسيا على سبيل المثال، قد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات في المنطقة، وهو ما يمنحها موارد إضافية في ظل الحرب المستمرة في أوكرانيا. كما أن التوترات الدولية غالباً ما تعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى، وهو ما قد يخفف الضغط على موسكو في بعض الملفات، في حين أن الصين قد تستفيد أيضاً بإنهاء معضلة تايوان، وإعادتها إلى سلطتها.
كل ذلك يعكس حقيقة أن العالم يعيش مرحلة تحولات كبيرة، فالنظام الدولي الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة تغير، مع صعود قوى جديدة وتزايد المنافسة بينها. وهذه التحولات لا تحدث بشكل هادئ، بل تمر عبر أزمات وصراعات سياسية واقتصادية وأحياناً عسكرية.
ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في أن تظل هذه المواجهات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، فالعالم اليوم مترابط أكثر من أي وقت مضى، وأي صراع واسع قد يترك آثاراً خطِرة في الجميع. لذلك تبقى الحكمة السياسية والبحث عن التوازنات ضرورية، حتى لا تتحول المنافسة بين القوى الكبرى إلى صراع يأكل الأخضر واليابس.
[email protected]
علي قباجة
لم يعد من المبالغة القول إن النظام الدولي الذي تشكّل بعد نهاية الحرب الباردة يمر اليوم بمرحلةِ تحوّل عميقة، ربما تكون الأشد تأثيراً منذ عقود، فالعالم الذي اعتاد خلال السنوات الماضية على مركزية القوة الأمريكية بدأ يشهد تغيرات متسارعة تعيد رسم موازين القوى، وتفتح الباب أمام نظام دولي جديد لم تتضح ملامحه بالكامل بعد. هذه التحولات لا تحدث دفعة واحدة، بل تتشكل عبر سلسلة من الأزمات والصراعات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تتقاطع في لحظة تاريخية فارقة.
الولايات المتحدة رسخت موقعها كقوة مهيمنة على النظام الدولي بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، حيث بدا العالم وكأنه دخل مرحلة القطب الواحد. وفي تلك الفترة كانت واشنطن اللاعب الأكثر تأثيراً في القرارات الدولية الكبرى، غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن تحديات متزايدة لها، مع صعود قوى دولية جديدة تسعى إلى إعادة التوازن في النظام العالمي.
في هذا السياق، برزت الصين وروسيا كقوتين تسعيان إلى توسيع نفوذهما السياسي والاقتصادي والعسكري. فقد أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ أن العالم يشهد تغيرات متسارعة لم يعرفها منذ قرن، مشيراً إلى أن هذه التحولات تفتح الباب أمام بناء نظام دولي أكثر توازناً وعدالة، وتأتي هذه التصريحات في ظل توسع اقتصادي صيني كبير، وتزايد دور بكين في التجارة العالمية ومشروعات البنية التحتية الدولية.
أما روسيا، بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، فقد عبّرت مراراً عن رفضها لفكرة الهيمنة الأحادية، معتبرة أن النظام العالمي يتجه نحو التعددية القطبية، وفي هذا الإطار كانت الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا منذ عام 2022، والتي تعد من أبرز الصراعات التي كشفت عمق التنافس بين القوى الكبرى.
غير أن المشهد الدولي لا يقتصر على صراع الصين وروسيا مع الولايات المتحدة، بل يشمل أيضاً محاولات من قوى أوروبية لإعادة تعريف دورها في النظام العالمي، فدول مثل فرنسا وألمانيا تسعى إلى تعزيز استقلال القرار الأوروبي، سواء في الملفات الأمنية أو الاقتصادية، وهو ما يعكس رغبة متزايدة في تقليل الاعتماد على الهيمنة الأمريكية.
في هذا السياق، يعمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تعظيم القوة الأمريكية عبر صفقات وتحالفات جديدة قد لا ترضي بعض الحلفاء التقليديين، ويقوم هذا النهج على مقاربة براغماتية تهدف إلى تحييد روسيا وتقليص مساحة التوتر معها، مقابل تشديد الضغوط الاقتصادية والعسكرية على الصين في محاولة للحد من صعودها المتسارع والحفاظ على التفوق الأمريكي في النظام الدولي.
المؤشرات الحالية توحي بأن العالم يقف بالفعل أمام مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، حيث تتشابك المصالح الدولية وتتصاعد حدة التنافس بين القوى الكبرى، ولا يمكن استبعاد أن تقود هذه التحولات إلى أزمات أكثر خطورة، فاتساع رقعة النزاعات الإقليمية كلها عوامل تنذر بمرحلة غير مستقرة قد تتحول إلى مواجهة كبرى يصعب احتواء تداعياتها.
[email protected]