لينا سعدي*
تواجه برامج تعزيز الديمقراطية التي تقودها القوى الغربية في القارة الإفريقية فشلاً متكرراً، ولكن ليس للأسباب التي يتداولها معظم المحللين التقليديين. فالمشكلة لا تكمن في سذاجة السياسات أو سوء تنفيذها، بل تكمن في حقيقة أكثر عمقاً وخطورة: النظام الدولي مصمم هيكلياً لإنتاج نوع محدد من الحكم؛ الذي يبدو ديمقراطياً في الشكل ولكنه «مجوف» وتابع في الجوهر، ويكشف تحليل مسار الدول الإفريقية، وخاصة التجربة البوركينابية من توماس سانكارا إلى بليز كومباوري، كيف يعمل هذا النظام عملياً: مكافأة الحكومات المطوعة أو المرنة، وعقاب السيادة، والحفاظ على واجهة ديمقراطية تخدم المصالح الخارجية أكثر مما تخدم مواطني الدول الإفريقية.
ويثير الواقع السياسي الإفريقي لغزاً محيراً للأدبيات التنموية السائدة؛ فإذا كانت المؤسسات القوية هي الشرط المسبق للاستقرار الديمقراطي، فلماذا نجح بعض القادة الذين عملوا خارج المعايير الليبرالية في تحقيق تنمية وطنية ملموسة واستقرار نسبي، بينما انهارت الانتقالات الديمقراطية المدعومة خارجياً مراراً لتتحول إلى الفساد والهشاشة التي كان يفترض أنها جاءت لمنعهما؟
ويرى هذا التحليل أن الإجابة التقليدية التي تربط الفشل بـ»اضطرابات الانتقال» تخلط الأسباب بالنتائج، فعدم الاستقرار الذي يعصف بالعديد من الدول الإفريقية بعد «الانتقال الديمقراطي» ليس نتيجة نقص التوجيه الخارجي، بل هو في جزء كبير منه نتيجة لوجود توجيه خاطئ، فما يُسوَّق تحت عنوان تعزيز الديمقراطية هو في الواقع ثقافة متعمدة لما يمكن تسميته «الديمقراطية المرنة» وترتيبات حكومية تحافظ على الشكل الديمقراطي بينما تُفرغ المحتوى الديمقراطي من جوهره.
وقبل النظر إلى إفريقيا، تقدم تجربة تشيلي في السبعينات نموذجاً مصغراً لهذه الآليات، فعندما جاء سلفادور أليندي للسلطة ببرنامج وطني لتأميم النحاس، ردت إدارة نيكسون ليس بالتعامل مع الشرعية الديمقراطية، بل بتطبيق «جزاء السيادة» عبر الحصار المالي وتحفيز المعارضة، ما أدى في النهاية إلى الانقلاب الذي أتى ببينوشيه، الذي دمر الديمقراطية لكنه ضمن «المطواعية أو المرونة» وفتح المجال لرأس المال الأجنبي.
وفي القارة الإفريقيا، تظهر حالة بوركينا فاسو التي تمثِّل نمطاً واضحَ الألم، فقد جاء توماس سانكارا إلى الحكم عام 1983 ببرنامج للتنمية الذاتية والاكتفاء الذاتي، رافضاً برامج الإصلاح الهيكلي لصندوق النقد والبنك الدوليين، ومؤمماً الأراضي والثروات المعدنية لصالح الشعب، ولقد مثَّل سانكارا محاولة جريئة لكسر قيود التبعية، لكن رد النظام الدولي كان تصنيف الدولة كمخاطر عالية، وصلت ذروتها باغتياله عام 1987.
وينقد التحليل الأدبيات السائدة التي تبرز «الدولة الفاشلة» كنتيجة لسلبيات داخلية، مؤكداً أن المشكلة هيكلية وعالمية، فالعقاب الذي يفرضه النظام الدولي على أي دولة تسعى للسيادة على مواردها يجعل التنمية المستقلة «مكلفةً جداً»، مما يدفع النخب لتبني خيار التبعية الأكثر أماناً لشخصها لكنه مدمر للوطن.
ولكن، كيف يمكن كسر هذه الدائرة؟ يقترح التحليل حلاً يكمن في الإصلاح الهيكلي، وتحديداً من خلال ما يسمى «صندوق التنمية السيادي»، والفكرة تكمن في إنشاء صندوق وطني مستقل قانونياً وشفاف لإدارة عائدات الموارد الطبيعية الاستراتيجية، معزول بتصميمه عن السيطرة الحكومية المباشرة وعن الشروط الخارجية المسبقة.
وحتى يتم تفكيك الهيكل الحافز الذي يعاقب السيادة ويكافئ الامتثال الفارغ، ستستمر «الأغلال الذهبية» في تقييد مستقبل القارة الإفريقية.
باحثة منتسبة إلى المركز الكندي للدراسات الاستراتيجية، وطالبة علوم سياسية في جامعة كونكورديا، وهي مؤسسة جمعية طلاب شمال إفريقيا (موديرن ديبلوماسي)
لينا سعدي
