الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

السياسة الأمريكية ودورها في التاريخ المعاصر

23 أبريل 2026 00:22 صباحًا | آخر تحديث: 23 أبريل 02:28 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لا شك في أن السياسة الخارجية الأمريكية تمرّ بمرحلة مخاض، وتبدّل في الأولويات، بناء على المستجدات التي ظهرت مع الولاية الثانية للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بداية من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، ومن إفريقيا إلى أوروبا، ومن القطب الشمالي إلى أمريكا الجنوبية؛ إذ باتت هذه الساحات شاهدة على تحولات في مدركات صانع القرار الأمريكي، بعضها كان محدوداً، وبعضها الآخر كان جذرياً؛ ولعل ما جاء على رأس أهم هذه التطورات كان مرتبطاً بحرب إيران التي طرحت تساؤلات عدة بشأن مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، إن كانت متجهة لتغيير مجرى التاريخ السياسي المعاصر للعالم، أو أنها تمرّ بمرحلة ضبابية ببوصلة غير محدّدة.
إحدى المقولات المشهورة التي تُلخص السلوك الأمريكي في الساحة الدولية، مقولة وزيرة الخارجية الأمريكية الراحلة، مادلين أولبرايت، التي قالت: «نحن نقف شامخين؛ ولأننا نرى أبعد من الدول الأخرى في المستقبل؛ فإننا نرى أن استخدام القوة ضروري أحياناً؛ لأننا الأمة التي لا غنى عنها».
تترجم هذه المقولة الرؤية الأمريكية للعالم؛ فرؤية «إعادة عظَمة أمريكا» لا ترتبط بتحسين الأوضاع الداخلية فحسب، بقدر ما تنطوي على القدرة على بسط التأثير الأمريكي العالمي في مختلف الملفات؛ بُغية تعزيز المصالح الأمريكية، مقابل تقويض مصالح وقدرات الدول المنافسة، أو الصاعدة، إن جاز التعبير.
غير أن تطورات الملف الإيراني كشفت عن وجود قصور في بعض الجوانب المتعلقة بفرض الإرادة السياسية الأمريكية على الدول الحليفة في المعسكر الغربي؛ فالاستثمار الأمريكي في بُنية التحالفات وهياكلها لم يُجدِ نفعاً عندما اصطدم بحائط القوانين، ورغبات الشعوب. ولا يمكن الاختلاف في أن ثمة قوانين تنظم الحروب، من باب شرعية شنّها، وكذا القوانين الإنسانية الملزمة تجاه المدنيين؛ ولكن طبيعة الحروب، كما يُفترض، تسعى إلى خلق واقع جديد، وفرض قوانين جديدة.
وفي ظل غياب سلطة مركزية تحكم النظام الدولي؛ فإن إلغاء قانون، أو تغييره، في القانون الدولي لا يتحقق إلا عبر تجاوز الأعراف الموجودة، وإرساء أعراف جديدة تلبّي المصالح الحيوية للدول. كما أن الطريقة السلمية التي تعتمدها المنظمات الدولية، والهيئات المحسوبة عليها، أثبتت عدم فاعليتها؛ لذلك يبدو أن قرار توظيف القوة أصبح خياراً لإحداث تغييرات تُلبّي مصالح الفواعل الدولية، كما تجسّد ذلك في تعامل الولايات المتحدة مع الملف الفنزويلي، والتلويح باستخدامها القوة في كوبا، ووجدنا ترسُّخ هذه الفكرة في طلبها من حلف الناتو المشاركة في العملية العسكرية ضد إيران؛ وهو ما لم تتجاوب معه دول الحلف.
وعلى الرغم من السلوك الأوروبي الحالي، الرامي إلى رسم خريطة طريق للاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن، في ظل التفسيرات التي ترى أن مقاربة صناع القرار الأمريكيين انعزالية، وتُفكّك المعسكر الغربي؛ فإن واقع مسارح الحروب، سواء في إيران، أو أوكرانيا، أثبت أن العمل الفرداني لا يحقق حلولاً صفرية. وهذه الحلول في النظام الدولي هي الأصل لصناعة التغيير الحقيقي الذي يلبّي مصالح الدول، أما أنصاف الحلول؛ فما هي إلا تسكين للمعضلات التي نعيشها، ونهايتها تعود بنا إلى البداية؛ ولذلك، فإن ضرورة العمل الجماعي حتمية؛ فهي مرتبطة بتقاسم الأدوار، ورسم رؤية تلبّي المصالح الجمعية للدول.
صحيح أن ثمن توظيف أدوات القوة باهظ على مختلف المستويات؛ ولكن هذا التوظيف لا بد أن يكون مبنياً على دراسة تامة لارتدادات هذا الخيار؛ فالمشهد العام بعد توظيف القوة قطعاً لن يكون مثلما كان في السابق، والتخطيط للتعامل مع الارتدادات يجب أن يأتي قبل التخطيط للحروب نفسها؛ وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا بتحرك مبنيّ على عقل جمعي يُفضي إلى تشكيل واقع جديد بموازين وقوانين جديدة تلبّي مصلحة الجميع.
إن الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة في صناعة التاريخ السياسي المعاصر لا يمكن إنكاره، غير أن الضبابية التي تكتنف قراءة الظاهرة «الترامبية» تفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة أيضاً؛ بين السلوك المقصود في تطبيق مبدأ «الغموض الاستراتيجي» لتحقيق المصالح الأمريكية خلف الكواليس، و«الضياع الاستراتيجي» الذي قد يكون وبالاً على الولايات المتحدة، ومكانتها بصفتها قطباً أوحد، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ونهاية الحرب الباردة. ويُرجّح أن تحسم السنتان المقبلتان أحد هذين التفسيرين، ومن سيقودهما هو مؤسسات الدولة العميقة الأمريكية «الحالية» التي يصعب التنبؤ بخياراتها إن كانت ملتزمة بأفكار المدارس الأمريكية القديمة، أو أنها جاءت بمبادئ جديدة لخلق واقع جديد وفق مقتضيات المصالح الأمريكية، بناء على متطلبات العصر الحالي.
*باحث في الشؤون الأمريكية والشرق الأوسط
السياسة الأمريكية ودورها في التاريخ المعاصر

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه