تبدو الروابط بين الدول، على المستويين العالمي والإقليمي، في اختبار عسير نتيجته الراجحة في اعتقاد كثيرين هي تفككها أو ضعفها، أو على الأقل إعادة هيكلتها، انعكاساً لما يعتريها من ضعف في مواجهة التحولات الكبرى في العالم، وإصرار قوى بعينها على تفكيك هذه الأواصر وإعادة هندسة وظائفها.
في مقدمة هذه الروابط الأمم المتحدة التي تحاصرها منذ سنوات إرهاصات تفكك أو اضمحلال أو محاولات تغييب، غير أن الأمر بدأ ينسحب على تجمعات إقليمية أخرى، ليس منها فقط جامعة الدول العربية، وهي محور نقاش قديم أخذ يتكثف مع بدء العدوان الإيراني على دول الخليج، ولا مجلس التعاون الخليجي. ولا شك أن المؤسستين، أي الجامعة والمجلس، سيكونان محل نقاش وافر مؤسَّس بالدرجة الأولى على تداعيات هذا العدوان التي لم تكتمل أو تتضح بشكلها النهائي حتى الآن.
ولا أحد الآن يمكنه التكهن بمصيري جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، لكن المؤكد أن أي نظر في أدائهما ستكون غايته تمتين الروابط العربية عامة، وبالضرورة الخليجية، واتخاذ ما يلزم من قرارات في هذا الشأن، ليس فقط في ضوء دروس مواجهة العدوان الإيراني، وإنما أيضاً بالأخذ في الاعتبار بقية الملفات العربية والإقليمية والدولية، المزمن منها والمستجد.
الأهم في الأمر ليس ما يشاع عن اختلاف داخل البيت العربي، بل اليقين بحتمية العمل العربي المشترك وتجدّد أدواته والتخلص مما تجاوزه الزمن منها، ثم الاستقرار على صيغ التعامل الجماعي مع بقية الروابط الإقليمية والدولية.
ومراجعة صيغ العمل المشترك، أو القلق عليها، ليست أمراً يتفرد به العرب، وليس فيها ما يعيب، فهذا أمر تفرضه المتغيرات العالمية التي لن تنجو منها الأمم المتحدة، كبرى منظمات العالم، وبدأ الإحساس به في روابط أخرى مثل «الناتو» الذي يهتز أيضاً أمام تطورات المشهد العالمي، وتحديداً ما يجري في الشرق الأوسط.
ما يتواصل من أحداث على مقربة منا له صداه في كل بقعة بالعالم ويعيد تشكيل سياساته على الأقل بشكل مرحلي تسمح به المخاضات الجارية، وفي ضوء مخرجاتها، يمكن الحديث عما ستفرضه من تبدلات في الروابط الدولية.
وفي نظر كثيرين، لا تنفصل قرارات أمريكية متعلقة بالمواجهة الجارية مع إيران عما سبقها من جدل حول محاولات التفرد بالقرار العالمي وتهميش الحلفاء والشركاء في الغرب وتجاوز مخاوفهم. وهذا الجدل يتجلّى أكثر في علاقات الولايات المتحدة وأوروبا وحلف «الناتو» الرابط بينهما وما يثار عن احتمالات تفككه أو إعادة هيكلته هو الآخر.
يسود الحلف قلق، لا من مستقبل علاقته بالشريك الأمريكي فقط، بل أيضاً من تهميش دول أعضاء فيه أو استبعادها، والأهم شكل التدخل إذا تعرضت لاعتداء ما. ولعل دعوة جورجيا ميلوني، رئيسة الوزراء الإيطالية، أعضاء «الناتو» إلى التماسك هو التعبير الأحدث عن هذا القلق، ومبعثه الغضب الأمريكي من تصرفات أوروبية متعلقة بالمواجهة مع إيران.
