د. ناصر زيدان
يشكِّل مضيق هرمز حجر الزاوية في تداعيات الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران من جهة ثانية، وهو ما كان أكبر عامل ضغط في سياق المعركة وفي الخبايا المُحيطة بالمباحثات الجارية للتسوية في إسلام آباد، رغم بقاء الملف النووي في صدارة الاهتمام، وقد تزايدت تأثيراته في مجرى المنازلة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار على منافذ المضيق بالتوازي مع الإغلاق الذي فرضته إيران.
هناك أهداف غير مُعلنة للحرب بطبيعة الحال عند الفريقين، لا سيما حاجة الرئيس دونالد ترامب لتحقيق انتصار يُفيده في الملف الداخلي الأمريكي، وحاجة رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لهزيمة إيران، لاستثمارها في الانتخابات المقبلة، ثم حاجة إيران لحفظ ماء الوجه في أي تسوية قد تحصل.
لكن المضيق؛ ليس منطقة إيرانية صافية، بل تحده من على ضفتيه الجنوبيتين أراضٍ عربيةٍ خالصةٍ. والقوانين الدولية صنفتهُ ممراً عالمياً تجري فيه الملاحة البحرية من دون قيود وفق اتفاقية أعالي البحار لعام 1982، وكل الأطراف المعنية وقَّعت على هذه الاتفاقية، ونصف مسافة عرض المضيق البالغة 33 كم، تُعتبر مياهاً إقليمية واقتصادية للدول التي تُشاطئهُ من الجنوب، والشروط الإيرانية بفرض السلطة على المضيق هي شروط غير مشروعة، ولا يجوز أن تمُرّ، مهما كانت نتائج الحرب، لأن ذلك يُعتبر اغتصاباً لحقوق الآخرين، وتعدٍ صارخ على النظام الدولي العام.
يمرُّ عبر المضيق 20% من حاجة الأسواق الدولية للنفط، ومثلها من حاجات هذه الأسواق للأسمدة الزراعية، بينما هو ضرورة للاقتصاد الإيراني الذي يصدِّر منه المنتجات النفطية والغاز الطبيعي، وتستورد طهران عبره أغلبية حاجات البلاد الاستهلاكية، وكذلك بالنسبة لدول الخليج العربية، فهو شريان حيوي لاقتصاداتها ولحراكها التجاري.
الدول العربية الخليجية ليست شريكة في الحرب، ولكنها دفعت فاتورة غالية من تداعياتها، وتحمَّلت أكثر مما ينبغي من الخسائر، فالصواريخ الإيرانية استهدفت بعدوانها المنشآت الحيوية لهذه الدول، ومن دون أن يكون لها لا ناقة ولا جمل بما يجري.
الصبر الاستراتيجي الذي مارسته الدول العربية المعنية، وعدم ردها على العدوان الذي طال أراضيها، انطلاقاً من مبدأ حفظ الجيرة، ولعدم دخول حرب ليست حربها؛ لا يعني بأية حال أن هذه الدول عاجزة على الإطلاق، وهي لن تتنازل عن حقوقها السيادية، خصوصاً كونها شريكاً مُشاطئاً لجوانب مضيق هرمز، ولن تقبل بأية تسويات تنتقص من حقوقها المشروعة، لكنها تلتزم بمندرجات القانون الدولي ذات الصلة.
فرض هيمنة أمر واقع أحادي الجانب على مضيق هرمز، أو إخضاعه لتسويات جانبية بين أطراف لا تملك حق السيادة عليه، سيكون سابقة خطِرة جداً، وسيقضي على النظام الدولي في الممرات البحرية الأخرى، وعندها قد تسري هذه الفوضى أيضاً على مضيق جبل طارق ومضيق باب المندب ومضيق أوريسند في بحر البلطيق ومضيق ملقا في الشرق الأقصى.
ماذا -افتراضياً- لو أقدمت الدول العربية المُشاطئة إلى إقفال مضيق هرمز بوجه السفن الخارجة من إيران أو القادمة إلى موانئها؟ وهو افتراض يدفع إليه منطق المعاملة بالمثل، حيث السلطات الإيرانية أغلقت المضيق بوجه سفن هذه الدول، ولهذه الدول حق سيادي يشبه أو يزيد على الحق السيادي الذي تمتلكه إيران، هذا الافتراض الذي يكلف تطبيقه أقل بكثير من كلفة الجهد الإيراني لذات الغاية، نظراً لطبيعة النتوءات الجغرافية؛ سيؤدي إلى خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل، وبمنسوب أكثر مما يصيب الدول العربية، ويكفي الإشارة إلى أن 90% من الصادرات النفطية الإيرانية تنطلق من جزيرة خرج وتمرُّ عبر المضيق، لكن هذه الدول مُتمسِّكة بالقانون الدولي وليست من الوارد الإقدام على هذا الإجراء.
إن الحفاظ على النظام الدولي مصلحة لكل الأطراف، بمن فيهم إيران والولايات المتحدة ، أما المغامرات التي تتعارض مع هذا النظام؛ فقد تأتي بنتائج عكسية، ويمكن لها أن تُحدِث فوضى دولية هائلة يتضرَّر منها الجميع.
الحرب الخبيثة محطة لاستنتاج الدروس والعِبر، ولإعادة النظر بالمقاربات الخاطئة، والساحة العربية ليست مساحة مُباحة لدفع الفواتير، ولا هي منطقة تقاسُم مغانم لأصحاب الطموحات المُلتبِسة.
