ربما تكون «الذاتية» هي الميزة التي تصف الشعر الحديث، وخاصة تلك القصائد التي نزعت نحو النثر وتطورت إلى ما يعرف اليوم بـ «قصيدة النثر». الذاتية هذه لها أسبابها، وتداعياتها الكثيرة كما يؤكد الشاعر الإماراتي ناصر البكر الزعابي، وهي ليست انفصالاً عن الواقع، ومناقشة قضاياه الكبرى، بقدر ما هي أداة للمقاومة في وجه العولمة، وربما «جفاء» التكنولوجيا. الذاتية في هذا المقام، هي تجسيد لمشاعر الفرد وتوثيق لهويته ورؤيته للعالم، وأيضاً لذاتيته المنفتحة التي تمنح مساحة للشاعر للتفاعل بين الخاص والعام، ولكن برؤية مختلفة، الغرض منها بحسب الزعابي هو استعادة الذات وحمايتها لمقاومة المحو، وطمس الهوية الشخصية للشاعر، لإثبات تفاعله مع العالم وقضاياه ولكن من خلال رؤية الشاعر وأفكاره وهواجسه.
يقول ناصر الزعابي: «أحياناً تقبع القصيدة الذاتية في حصار نفسي وهمي، خاصة مع الشاعر الذي يعيش حالة اغتراب وجودي، أو يعاني مؤثرات حياتية واجتماعية متعدّدة، وإذا كانت «الذاتية» هي تجسيد لوجدان الشاعر ورؤيته الخاصة للعالم، فإنها بهذا المعنى لا تقتصر على نقل المعنى فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة تفسير الواقع من خلال منظور فني يمزج بين الوجدان والفكر، الذاتية في علاقتها مع رؤية الشاعر تعد فعلاً إبداعياً يتجاوز السطح إلى العمق، في مقابل هذه الرؤية الذاتية المعمقة، ربما ينسحب الشاعر، ويبتعد كثيراً عن ذلك الإسفاف الذي يشاهده يومياً من خلال النشر للبعض من دون حساب الذي أسهم في فترة سابقة في انحسار وهج بعض التجارب الشعرية، فأدى ذلك إلى عزوف الشباب عن الشعر واتجاههم نحو الأجناس الأدبية الأخرى، وأسهم ذلك في ترسيخ (الذاتية)» كمنطلق وهدف ورؤية.
يضيف الزعابي: «وبعيداً عن الخلافات حول أصل قصيدة النثر، التي تتهم بإغراقها في «الذات» الشخصية للشاعر، وبعيداً عن حكاية الحداثة وما بعدها، أجد أن هذه «الذاتية» تبدو طبيعية ونحن نعيش في عصر رقمي يتطور بسرعة مخيفة، ولا بد أن نجاري العصر دون أن نتخلى عن قضايانا الإنسانية والاجتماعية».
تركيز
حول اللغط الذي ينسب «ذاتية» الشاعر وتبنيه لقصيدة النثر، يوضح الزعابي بقوله: «لا شك في أن القصيدة العربية مرت بتحولات ومؤثرات جمة كباقي الأجناس الأدبية، ربما لا يزال الإعلام يركز على تجارب المشاهير لأكثر من نصف قرن، وقد ظهرت أجيال وأسماء مميزة لكنها لم تحظ بالفرص المناسبة ولم تحظ بقراءات نقدية عميقة أسوة بالشعراء الكبار، فظهرت قصيدة النثر التي تعتبر قصيدة متطورة تحاكي الواقع، وتتلمس التجديد ولكن بسرعة بطيئة، وكما أوضحنا فربما ساهم تراجع حركة النشر الورقي في انحسار الدواوين الشعرية خاصة في العقد الأخير، فمرت القصيدة بحالة من الوهن المؤقت، لكن الحقيقة تثبت أن هناك حراكاً شعرياً مميزاً في تجارب أثبتت حضورها العربي وربما تكون القصيدة الجديدة أو قصيدة النثر واحدة في هذا الاتجاه، مع الإقرار بأنها تعاني أحياناً إشكال التنميط والاستسهال، وربما تنسب إليها كتابات غير جيدة، إلا أنها حاضرة بقوة، رغم كونها لا تحظى بأولوية عند الناشرين عموماً.
يرى الزعابي أن الشعراء اليوم يبحثون عن منصات جديدة لنشر أفكارهم، من دون أن نغوص في التعميم والفواصل التي تميز بين أشكال القصيدة (عمودية، تفعيلة، نثر، شعراء»الهايكو» و»التانكا») أصبحوا اليوم يبحثون عن منصات جديدة ومنها منصات التواصل الاجتماعي، وها هم يتقاسمون هذا الفضاء التقني الذي بات كينونة أدبية تعوض الشاعر عن غياب الكيانات الأدبية».
يؤكد الزعابي أن مواقع التواصل الاجتماعي قد ساهمت في خلق حالة إبداعية جديدة ومغايرة عن وسائل النشر التقليدية، منحت الشاعر مساحة رحبة، تتيح له الانتشار أكثر من السابق، لكنها مساحة مقيدة بجمهور وتفاعل يدور في الفضاء التقني، عكس الوسائل القديمة التي تصل بالشاعر نحو مختلف شرائح المجتمع، ونتيجة لذلك تقوقع بعض الشعراء، فاتجهت القصائد نحو الإطار الذاتي، ولم نعد نجد العمق العاطفي والإنساني في هذا الطرح التقني المعتاد.
وحول هيمنة وسائل التكنولوجيا الحديثة على النتاج الأدبي والشعري بشكل خاص، يرى الزعابي أن هذه الوسائل منحت الشعراء مساحات رحبة لنشر إبداعاتهم بكل يسر، ومكنتهم من تسويق أنفسهم وعرض نتاجاتهم، لكنها ظلمت أسماء مميزة في هذا الزحام التقني، حيث يصعب التعرف إلى الأسماء المميزة إلا بعد بحث طويل، كما أنها فتحت إشكالية الاقتباس والسرقة الإبداعية، وفتحت ملف قرصنة الكتب مما أضر بالناشرين، فهي بحاجة ماسة إلى ضوابط وقوانين للحد من السلبيات.
انتشار واسع
من واقع تجربته الشخصية، يتحدث الزعابي عن أزمة تلقي الشعر الذي يحول دون انتشار أوسع للقصيدة الجديدة، حيث يؤكد أن انتشار القصيدة المعاصرة مرتبط بمعايير جديدة تختلف عن الوسائل القديمة، من حيث المضمون أو القضية أو مناسبة القصيدة، كما يلعب التوقيت دوراً حاسماً في انتشار القصيدة، إلا أن الإشكالية الكبرى هي بقاء القصيدة عالقة في أذهان المتلقي، وهذا هو أكبر التحديات الإبداعية المعاصرة.