الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بسبب الحرب.. الحياة تفارق قرية «كفر كلا» اللبنانية

30 أبريل 2026 13:33 مساء | آخر تحديث: 30 أبريل 15:00 2026
دقائق القراءة - 5
شارك
share
بسبب الحرب.. الحياة تفارق قرية «كفر كلا» اللبنانية
icon الخلاصة icon
القصف والتوغّل الإسرائيليان محوا كفر كلا وقرى الجنوب وشرّدوا السكان؛ تدمير واسع ونزوح وفقدان الروابط والأرزاق مع تمسّك بالعودة والإعمار

في موقف سيارات مملوء بالقمامة قرب ساحل بيروت، لصق حسن يحيى لافتة من الورق المقوّى على عمود إشارة مرور بجانب خيمة صارت الآن بمثابة منزله. وكتب على اللافتة بخط رفيع: «كفر كلا ترحب بكم».
تعيد اللافتة المهلهلة إلى الأذهان صورة لوحة إرشادية كانت قائمة على بعد عشرات الأميال عند مدخل قرية كفر كلا العريقة التي يعود تاريخها لعقود. والقرية واحدة من أكثر من 10 قرى على الحدود الجنوبية للبنان سوّتها موجات القصف الإسرائيلي بالأرض تدريجياً، على مدى فترة عامين ونصف العام.
والآن، ومع توغل القوات الإسرائيلية وتنفيذها تفجيرات محكمة، واستخدامها جرافات، تُمحى القرى فعلياً، وتتحول مناطق كانت يوماً نابضة بالنشاط إلى مساحات قاحلة ‌تبدو كأن الحياة فارقتها.
ومثله مثل عشرات الآلاف من سكان الجنوب، يقف يحيى عاجزاً، وهو يرى أراضي أجداده تتحول إلى «منطقة عازلة»، تزيل إسرائيل كل ما عليها لتأمين حدودها. وفي لبنان، تحظى القرى بمكانة ثقافية عميقة في نفوس أبنائها: فهي مراكز تنحدر منها عائلات من ​أنحاء البلاد والعالم، تحافظ على جذورها من خلال ⁠الاستثمار في المنازل، وتكوين روابط مجتمعية على إيقاع حفلات الزفاف، والأعياد، وحصاد الزيتون.
ويكاد الجميع يعرفون قرى عائلاتهم، أو الضيعة، حتى لو كانوا غادروها قبل أجيال. وأدى الاختفاء المفاجئ لهذه المناطق السكنية لتشريد مئات الآلاف.
وقال يحيى (58 ‌عاماً)، وهو يجلس على كرسي بلاستيكي في خيمته، بينما كان مولد كهربائي يعمل خلفه «نحن مثل ‌الأسماك اذا غادرت المياه تموت. مستحيل نتركها. سنموت».
 وتقول القوات الإسرائيلية، إن كفر كلا وقرى مدمرة كانت ملاذات لجماعة «حزب الله» التي تخوض مواجهات عسكرية معها، منذ الهجمات التي قادتها حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ودخلت بعدها المنطقة في دوامة من الاضطرابات.
وقال الجيش الإسرائيلي، إنه صنّف كفر كلا «قرية رئيسية لحزب الله»، وإنها كانت تضم «بنية تحتية إرهابية واسعة النطاق»، بعضها في المنازل والمدارس. وأضاف، أن القوات الإسرائيلية ضبطت أسلحة تعادل حمولة 90 شاحنة هناك في عام 2024، وصادرت المزيد هذا العام. وذكر أن الجيش عمل لتقليص الأضرار على المدنيين.
وأدت أحدث جولة من القتال إلى نزوح 1.2 مليون لبناني، أي نحو خُمس السكان. واندلعت في أوائل الشهر الماضي عندما أطلقت جماعة «حزب الله» صواريخ باتجاه إسرائيل للتضامن مع الحليفة إيران، خلال تعرضها للهجمات الأمريكية الإسرائيلية.
ومن أجل تصور الحياة في إحدى قرى ⁠لبنان التي اختفت، تحدثت رويترز إلى خمسة من سكان كفر كلا السابقين، انتهى بهم الحال في دروب مختلفة في البلاد، واستخدمت صور الأقمار الصناعية، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، والصور، ومقاطع الفيديو التي شاركوها هم وغيرهم، لمعرفة ما آلت إليه حال السكان.
وتظهر بعض أقدم الإشارات إلى كفر كلا في رحلات المقدسي أحد أبرز الجغرافيين العرب في القرن العاشر، وفي وقت لاحق في سجلات جامعي الضرائب العثمانيين، وعمليات المسح في حقبة الاستعمار البريطاني.
وقبل اندلاع الحرب في عام 2023، كان يعيش هناك نحو 5500 شخص، وفقاً لحسن شيت رئيس بلدية كفر كلا. وكانت الزراعة النشاط الرئيسي. وأتاح المناخ المميز زراعة محاصيل متنوعة من القمح، والعنب، إلى البطيخ، والتبغ، والطماطم، والبقدونس، والفول، والزيتون.
وأضاف، أن القرية كانت تشتهر بزيت الزيتون الذي تنتجه، والذي يباع على مستوى البلاد، ويجذب مشترين من مناطق بعيدة، مثل بيروت.
كانت الحياة اليومية مفعمة بالنشاط حول المخابز، والمطاعم، والمقاهي، حيث يلتقي السكان للعب الورق، وتبادل الأحاديث والنكات. وفي حفلات الزفاف، كانت الاحتفالات تقام على مدى أسبوع.
بسبب الحرب.. الحياة تفارق قرية «كفر كلا» اللبنانية

* «كل شيء تحول لرماد»


يروي شيت ​أن قرية كفر كلا شهدت ازدهاراً نسبياً خلال العقدين اللذين سبقا هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، إذ فُتحت مدارس وعيادات، وارتفعت نسبة المتعلمين، وتوسعت الآفاق بفضل الطرق المؤدية إلى مدينة النبطية، وغيرها من المراكز القريبة. وكان المغتربون في أوروبا والخليج ‌وإفريقيا يحولون الأموال إلى عائلاتهم.
وتمكن أبناء شقيق يحيى، الذين يعيشون في السويد، من بناء منزل بجوار (بوابة فاطمة)، وهو معبر حدودي تاريخي تحول إلى وجهة محلية مع انتشار المطاعم قرب بناء مشابه لقبة الصخرة في القدس، وانتشار رسوم الجرافيتي على الجدار الذي بنته إسرائيل على طول الحدود. وبنى يحيى نفسه منزلاً من ثلاثة طوابق من الأسمنت والحجر في القرية، وأعد فرناً في الطابق السفلي لصنع المعجنات لأصدقائه.
وبعد أيام من الهجمات، أطلقت جماعة «حزب الله» حرب إسناد لغزة، وأطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل. وتعرضت بلدة المطلة الحدودية الإسرائيلية لضربات عنيفة، وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن مئات المنازل دُمرت، أو لحقت بها أضرار.
وردّت إسرائيل بحملة جوية ⁠وبرية شرسة، تركزت بشكل كبير في الجنوب. وبحلول يناير/كانون الثاني 2024 كانت كفر كلا شبه خالية، بحسب ما ذكره شيت.
وفي الأشهر التي تلت ذلك، قالت إسرائيل، إنها دمرت عشرات المنشآت تحت الأرض، ومئات الأسلحة التابعة لـ«حزب الله» عثرت عليها في القرية.
بسبب الحرب.. الحياة تفارق قرية «كفر كلا» اللبنانية

وندد مسؤولو «حزب الله» مراراً، بعمليات هدم القرى، ونفوا قيام الجماعة بنشر بنية تحتية عسكرية في المناطق السكنية المدنية.
وقبل الحرب، لم تكن جماعة «حزب الله» تخفي خططها لغزو شمال إسرائيل، وسبق أن دعت صحفيين لمشاهدة مقاتليها، وهم يحاكون مثل هذا الهجوم، ووصفت شبكة أنفاقها بأنها واسعة. ويمتد نفق واحد ​على الأقل من أربعة أنفاق اكتشفتها إسرائيل ‌عام 2018 من كفر كلا تحت الحدود، وصولاً إلى المطلة.
وبعد اندلاع الحرب بفترة وجيزة، انتقل يحيى شمالاً من كفر كلا، قبل أن يستقر به المطاف في بيروت. واستقر جاره وصديق طفولته خضر حمود قرب الحدود السورية. أما جميل فواز، وهو صاحب متجر بقالة، والذي دُمر متجره ومنزله، ‌فقد فر أولاً إلى بلدة حبوش الجنوبية، ثم إلى مدرسة في مدينة صيدا الساحلية تؤوي مئات فقدوا منازلهم.
وقال فواز، وهو يجلس بجوار جدار في المدرسة عليه عشرات اللافتات الورقية التي وضعها النازحون، وتضم أسماء القرى التي دمرتها الحرب، بما في ذلك كفر كلا «تحول كل شيء لرماد».

* ألم جديد


شجع وقف إطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 بعض السكان على العودة. وقال شيت، إنه في ذلك الوقت كان 85% تقريباً من المباني في كفر كلا مدمراً. ومن تلك المباني منزل عائلة يحيى المشيد حديثاً.
وأقام بعض السكان، بمن فيهم حمود، منازل جاهزة البناء قرب الأنقاض على أمل إعادة الإعمار. وفي ‌فبراير/ شباط من هذا العام، زار رئيس ‌الوزراء نواف سلام كفر كلا، ووعد السكان بأن إعادة الإعمار ستبدأ قريباً.
بسبب الحرب.. الحياة تفارق قرية «كفر كلا» اللبنانية

لكن الحرب تجددت في غضون شهر. وفي هذه المرة، نفذت القوات الإسرائيلية عمليات هدم ⁠بتفجيرات محكمة، واستخدمت جرافات.
وفي مقطع فيديو نشر لأول مرة على مواقع التواصل الاجتماعي في أواخر مارس/ آذار، تظهر جرافة وهي تتحرك على الأطراف الغربية للبلدة. وقال مسؤول عسكري إسرائيلي، إن القوات الإسرائيلية دمرت أكثر من 90% من المنازل في كفر كلا، بحلول أواخر إبريل /نيسان.
ومع تضاؤل الأمل في العودة قريباً، يعتمد الآن كثير ممن كانوا يسكنون كفر كلا على اتصالات متقطعة للحفاظ على الأواصر العائلية. ويقول يحيى، إنه في حالات الوفاة يكتفون بتقديم واجب العزاء عبر الهاتف. ويقول شيت، إن الزيجات، إن تمت أصلاً، غالباً ما تتم من دون احتفالات.
وعلى الرغم من قول إسرائيل، إن المنطقة العازلة مؤقتة، يخشى لبنانيون أن ⁠تصبح دائمة. وضمت إسرائيل في 1981 هضبة الجولان التي احتلتها من سوريا في حرب 1967. أما الضفة الغربية، التي احتلتها إسرائيل من الأردن في الحرب نفسها، فيسكنها الآن مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين.
وفي أحد أيام هذا الشهر، قاد حمود سيارته السيدان المتهالكة من الجبال في الشمال إلى موقف ​سيارات في بيروت لزيارة يحيى. وسارا معاً يتذكران أيام شبابهما، وكان حمود متكئاً على عصا والدته الراحلة، وهي من الأشياء القليلة التي أنقذها من منزله.
وقال: «لا يمكننا تعويض هذه البيوت، ولا يمكننا تعويض الأرزاق اللي كانت لدينا. كل شيء قديم في الضيعة لدينا كان له معنى، له رمز. البيوت القديمة مثل بيوت أهلنا، بيوت جدودنا، كلها له رمز». وأكد شيت هذا الكلام وهو جالس في منزل عمه في قرية تقع في الجبال الوسطى للبلاد حيث لجأ.
وقال: «هناك رابط روحي، ونفسي، ورابط بجذورنا، ⁠رابط قوي للغاية. هذا أمر أساسي بالنسبة لكفر كلا... سيستغرق الأمر وقتاً بالتأكيد، لكن عندما نعود، سنعيد الإعمار».
بسبب الحرب.. الحياة تفارق قرية «كفر كلا» اللبنانية

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه