الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حسين شريف يستعيد ذاكرة البحر بجدلية اللون والكتلة

2 مايو 2026 23:17 مساء | آخر تحديث: 2 مايو 23:19 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حسين شريف
حسين شريف
icon الخلاصة icon
حسين شريف يوثق ذاكرة البحر والتراث الإماراتي بلوحة سفن خشبية على الخور بألوان دافئة وتوازن أزرق، تمزج الواقعي بالتجريدي وتؤكد البعد الفلسفي للذاكرة البصرية
في الأعمال القديمة للفنان المخضرم حسين شريف، نلاحظ ذلك الشغف الكبير في التعامل مع البيئة ومفردات التراث بفكر مختلف، بحيث تصبح اللوحة فضاءً لعمليات إبداعية وفكرية مختلفة، تُهدي الناظر مشاهد بصرية متنوعة وتحرضه على التأمل بعمق في تفاصيل العمل.
لعل انتقال شريف طيلة مسيرته الإبداعية بين أساليب مختلفة يعكس امتلاكه رؤية جمالية خاصة تظهر في إبداعاته المتعددة، وفي تجاربه الفنية المختلفة التي خاضها ما بين الواقعية والكاريكاتير والكولاج والأعمال المفاهيمية؛ مما منح محبي الفنون فهماً جديداً ومغايراً للفن البصري، حيث تتجول الأفكار والمعاني داخل مشهدية العمل.
ومن أبرز الأعمال التي تفيض بمشاعر الحنين والانتماء والتعبير عن البيئة المحلية، تلك اللوحة التي تظهر في مشهدها، بأسلوب تعبيري، سفنٌ ترسو على (الخور)، أو موانئ السفن الخشبية؛ وهي قطعة فنية غنية بالتفاصيل تبرز الأسلوب الإبداعي لشريف الذي يربط بين الفكرة والبعد الجمالي.
تسافر اللوحة بالمشاهد نحو أزمنة لعبت فيها السفن البحرية دوراً محورياً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الدولة ومنطقة الخليج، وتنقل إلى الناظر مشاهد حية لحياة ومهن سادت وكانت مفعمة بالذكريات التي ما زال إنسان المنطقة يتلفت إليها كل حين، حتى بعد أن تغير شكل الحياة مع حركة التطور والازدهار، ولعل بقايا الكثير من السفن التي ما زالت ترسو على بعض الموانئ في إمارات ومدن الدولة تذكر الناس بما جرى على هذه الأرض، وتحمل رمزية جمالية مهمة.

تفاصيل

تُسمى هذه السفن بـ(المحامل)، وفي اللوحة يسيطر هيكل سفينة خشبية ضخمة على مقدمة العمل ومنتصفه، وهي تذكير بالسفن التقليدية الإماراتية مثل «البوم» أو «الجالبوت» وغير ذلك، وتظهر التفاصيل الهيكلية في اللوحة الأخشاب المتقاطعة، والحبال المتينة، والسقالات التي توحي بالعمل، ربما أثناء بناء السفينة أو صيانتها، أو أثناء رسوها على الخور، فشكل العمل بصورة عامة يوحي بالحركة، بينما تكمن الحيوية في وجود قطع من القماش «الطرابيل» بألوان مختلفة (أبيض، أصفر، وبرتقالي) تغطي أجزاء من السفينة أو البضائع، مما يضفي لمسة من الواقعية على المشهد.
استخدم حسين شريف في هذه اللوحة الجميلة ألواناً دافئة تحفز مشاعر الشوق والحنين لدى الناظر، إذ يطغى على التكوين والتوزيع اللوني البنيُّ الخشبي والبرتقالي المحروق والأحمر بدرجات مختلفة، مما يعكس حرارة البيئة المحلية وقوة مادة الخشب، ومما يزيد من جماليات هذا التوهج ذلك التباين البديع بين ألوان السفينة الدافئة ولون السماء الزرقاء الصافية في الخلفية، مما يعطي عمقاً للمشهد ويبرز تفاصيل الخشب التي تفوح رائحتها وتسري في أنفاس الناظر، فتشعره بالراحة والانتماء إلى المكان.
من حيث الأسلوب يقف هذا العمل شاهداً على براعة ضربات الفرشاة القوية والعريضة والواضحة، مما يمنح اللوحة ملمساً خشناً يشبه ملمس الخشب والحبال الحقيقية، ويسهم في تعزيز التكوين الواقعي للعمل، كما أن الفنان قد اختار زاوية قريبة (Close-up) تجعل المشاهد يشعر وكأنه يقف داخل ورشة بناء السفن، مما يركز الاهتمام على «الجوهر» والقيمة التراثية بدلاً من المنظر العام للميناء، وهنا يكمن سر الجمال في اللوحة، فهي ليست مجرد رسم لسفن راسية، بقدر ما هي احتفاء بالبيئة والنشاط الاجتماعي والحرف التقليدية، وصمود الأخشاب والحبال التي شكلت جزءاً أساسياً من تاريخ المنطقة.

فلسفة

في هذه اللوحة، يأخذنا شريف في رحلة بصرية تتقاطع فيها الحداثة مع جذور التراث الإماراتي، كما يطرح بعداً فكرياً يتمحور حول (الذاكرة البصرية للمكان)، معيداً صياغة المشهد البحري برؤية معاصرة تتجاوز النمطية السياحية، ليركز على جهد البناء وعمق المادة وما تعنيه تلك المفردات في فضاء العمل الملهم.

بعد تجريدي

أما الألوان فوظفت لتعبر عن بُعد فلسفي، وعمل شريف على كسر حدة الألوان الدافئة بمساحات الأزرق السماوي، مما يخلق حالة من التوازن البصري وتتجلى براعة الفنان في جعل الجمالية نابعة من (التركيب الفني) وليس من محاكاة الواقع، وهنا يكمن البعد التجريدي في العمل.
اللوحة
اللوحة

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه