مع دخول الصراع الأمريكي الإيراني مرحلة مفتوحة من الجمود بعد إبلاغ البيت الأبيض الكونغرس أن الحرب «انتهت»، بقيت كثير من القضايا الجوهرية معلقة، وأهمها مضيق هرمز الحيوي الذي اتخذته طهران رهينة، وتمارس من خلاله لعبة ابتزاز رخيصة لدول المنطقة والاقتصاد العالمي.
الحرب، التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب في فبراير الماضي، لم تحقق أهدافها المعلنة، لكنها أسفرت عن نتائج وتداعيات خطرة في ظل حالة من اللاحرب واللاسلم تشهد صراع استنزاف متعدّد المحاور. ومع بدء هذه الهدنة في السابع من إبريل الماضي وفشل جولة للمفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، قرر ترامب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية تعهد بألّا يرفعه حتى تتحقق شروطه لإنهاء الحرب.
وفي المقابل، انقلبت طهران وتمرّدت على كل القوانين والاتفاقيات الراعية للملاحة الدولية وأحكمت إغلاق مضيق هرمز، وحوّلته إلى منطقة مفخخة بالألغام والمسيّرات، تمارس فيها أشكالاً من الترويع والقرصنة على سفن التجارة وناقلات النفط، والتمييز بينها، وفرض رسوم غير قانونية ليس لها أساس غير محاولة بائسة لتغيير الوضع القائم، وتهديد مصالح دول الجوار. وقد تسبب حصارها للمضيق بأزمة طاقة عالمية، وارتفاع قياسي بأسعار النفط، وشلل في سلاسل الإمداد، من دون أن ترد على المطالب المنادية بفك الحصار، والسماح بحرية الملاحة التي تكفلها القوانين والمعاهدات الخاصة بمسالك التجارة العالمية.
أمام هذه الأزمة المتصاعدة، تسعى أطراف دولية عدة، إلى وضع خطط تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز، بشكل فوري، ومن دون شروط. ومن هذه المساعي تشكيل تحالف بحري لفرض مناطق عبور آمنة في المضيق بمشاركة جمع الأطراف الدولية المتضررة، لمنع الابتزاز الملاحي وضمان سلامة الممر المائي. وتهدف التوجهات الدولية إلى تحييد ملف الملاحة عن الصراعات السياسية، وفرض قواعد اشتباك صارمة للتعامل مع أيّ تهديدات، ما يجرّد طهران من أوراق الضغط الاقتصادي.
في هذا التوقيت من الأزمة، يُعد تشكيل التحالف البحري ضرورة استراتيجية لضمان تدفق الطاقة، بعيداً عن سياسة حافة الهاوية. ويبدو أن دول المنطقة، وفي العالم أجمع، قد بدأت تستخلص الدروس من المواجهات الأخيرة، وتتجه نحو استراتيجيات طويلة المدى لتحييد التهديدات البحرية عبر بناء تحالفات أمنية صلبة، واتفاقيات جديدة تضع أمن الملاحة ركيزة أساسية، لا تقبل المساومة. وفي ظل هذا الزخم، يواجه النظام الإيراني خياراً بين الإذعان للقانون الدولي، أو مواجهة عزلة بدأت نذرها مع المصاعب الاقتصادية الجمة التي بدأ يواجهها في الداخل، وانعدام الثقة بسياساته في الجوار.
تحرير مضيق هرمز بات قضية عالمية، وأزمته المصطنعة يجب أن تنتهي بتكريس معادلة دولية جديدة، تقضي بأن سلامة الممرات المائية ليست ورقة للمقايضة السياسية، أو الابتزاز العسكري، بل هي خط أحمر يمس عصب المصالح الدولية. وما تقوم به إيران نوع من المقامرة المرفوضة، ومآلها الفشل، لأنها لا تدرك أن كلفة العبث بِحريّة التجارة العالمية ستكون باهظة، بما لا يقاس بأيّ مكاسب سياسية عابرة.