أخيراً، وبعد أكثر من ستة أشهر على الانتخابات العراقية، وما تبعها من أزمة سياسية تمثلت في انتخاب رئيس البرلمان ثم رئيس الجمهورية، واختيار رئيس جديد للحكومة، تمكن العراق من الخروج من عنق الزجاجة باتفاق «الإطار التنسيقي» على اختيار علي الزيدي لرئاسة الحكومة خلفاً لمحمد شيّاع السوداني، بعد أن كان مجلس النواب قد انتخب في 11 إبريل (نيسان) الجاري نزار أميدي رئيساً للجمهورية كحل وسط بين المكونين الكرديين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني. وجاء اختيار الزيدي أيضاً كحل وسط بعد أن عصفت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي»، خصوصاً بين رئيس الحكومة محمد شيّاع السوداني ورئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي الذي كان الإطار التنسيقي رشحه في يناير (كانون الثاني) الماضي لمنصب رئاسة الحكومة.
لم ينجح المالكي في الوصول إلى هدفه، بسبب الخلافات داخل «الإطار التنسيقي»، ثم بسبب «الفيتو» الذي أعلنه الرئيس دونالد ترامب، وتهديده بعدم مساعدة العراق في حال اختياره رئيساً للحكومة، وقال «في آخر مرة كان المالكي في السلطة، انحدرت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة، وينبغي عدم السماح بذلك». أضاف «إذا توقفت واشنطن عن مساعدة العراق فلن يكون لديه أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية».
هذا التهديد ألقى بثقله على الإطار التنسيقي الذي حاول جاهداً طوال الأشهر الماضية البحث عن حل يُقنع المالكي بسحب ترشحه، وعدم الوقوع في المحظور الأمريكي وتداعياته السياسية والاقتصادية على العراق، خصوصاً في ظل الحرب الإيرانية وحالة الاستقطاب التي عاشها العراق بانحياز «الحشد الشعبي»، أحد أطر «الإطار التنسيقي» إلى جانب طهران، واعتبار المالكي مؤيداً له.
خلال الأيام القليلة الماضية أدرك الإطار التنسيقي أنه لم يعد بالإمكان الانتظار أكثر مع تجاوز المهلة الدستورية لاختيار رئيس للحكومة، فتم عقد سلسلة لقاءات لم يعلن عنها بين السوداني والمالكي في منزل رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، كما تم عقد اجتماع في القصر الحكومي ببغداد حضره جميع قادة الإطار التنسيقي ال12، تم خلاله غربلة أسماء المرشحين، وفي نهاية المطاف تم اختيار رجل الأعمال علي الزيدي لرئاسة الحكومة، حيث كلفه الرئيس نزار آميدي بعد ذلك بتشكيل الحكومة الجديدة، وستكون أمامه 30 يوماً لعرضها على مجلس النواب للتصويت عليها بالأغلبية البسيطة (النصف زائد واحد).
الزيدي ليس معروفاً على الصعيد السياسي، سوى أنه رجل مال وأعمال من محافظة ذي قار، وتم اختياره كرجل تسوية لتجاوز الخلافات الداخلية و«الفيتو» الأمريكي، ومعه يدخل العراق مرحلة سياسية جديدة وسط توازنات معقدة داخلياً وإقليمياً.
لكن، هل يستطيع الزيدي صاحب الخبرة السياسية الضئيلة التعامل مع ملفات أمنية وسياسية واقتصادية صعبة، وتحديات داخلية لها علاقة بالتوفيق بين العلاقات مع إيران والولايات المتحدة، والعلاقة مع الفصائل المسلحة وتأثيرها في صناعة القرار الداخلي، واستمرار التهديدات الأمنية في بعض المناطق.
إن نجاحه في التعامل مع هذه الملفات الشائكة، إضافة إلى ملفات البطالة والفساد والخدمات، يشكل العامل الحاسم في استقرار الحكومة.
الزيدي لا يواجه فقط مسألة التوازن في العلاقة بين واشنطن وطهران، بل أيضاً القدرة على إدارة الدولة عند تقاطع أزمات داخلية وضغوط خارجية.