تتراجع حدة التوترات المرتبطة بالصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، لكن تداعيات ما يزيد على شهرين من أسعار النفط والغاز المرتفعة لا تزال تُلقي بظلالها على الاقتصادات المتقدمة، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة. وبينما ينصبّ التركيز عادة على الشركات والحكومات، تبرز الأسر كحلقة حاسمة في نقل الصدمة إلى الاقتصاد الحقيقي، عبر الاستهلاك والادخار.
فهل تمتلك أوروبا قدرة أكبر على امتصاص الصدمة بفضل مستويات ادخار أعلى مقارنة بالأسر الأمريكية، أم أن الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه؟
تؤثر صدمات الطاقة على الاقتصاد عبر عدة مسارات مترابطة، إذ تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج للشركات، وزيادة تكاليف النقل والسفر، كما تدفع الحكومات إلى تقديم إعفاءات ضريبية ودعم مالي لتخفيف العبء. لكن الأثر الأكثر مباشرة يظهر في ميزانيات الأسر، حيث تستنزف تكاليف الوقود المرتفعة جزءاً متزايداً من الدخل المتاح، ما يضغط على الإنفاق الاستهلاكي.
هذا التراجع المحتمل في الاستهلاك يُعدّ عاملاً محورياً، نظراً لدوره الكبير في دعم النمو الاقتصادي، خاصة في الاقتصادات المتقدمة.
تآكل الهوامش المالية
كان وضع الادخار الشخصي في الولايات المتحدة قبل اندلاع الأزمة هشاً نسبياً، إذ لم يتجاوز المعدل 4% من الدخل بعد الضرائب، وهو مستوى منخفض مقارنة بالمتوسط التاريخي البالغ 5.5%. في الوقت نفسه، تباطأ نمو الدخل المتاح، وتراجع النمو الحقيقي (المعدل حسب التضخم) إلى مستويات ضعيفة، ما يعكس ضغوطاً متزايدة على القوة الشرائية. ومع تسارع التضخم، مدفوعاً بارتفاع أسعار الوقود، تتقلص القدرة على المناورة المالية للأسر الأمريكية بشكل أكبر.
تشير هذه المعطيات إلى أن أي صدمة إضافية في الأسعار قد تؤدي إما إلى تقليص الإنفاق الاستهلاكي أو زيادة الاعتماد على الاقتراض، خاصة لدى الشرائح ذات الدخل المحدود.
أوروبا أكثر متانة
في المقابل، تبدو الصورة في منطقة اليورو أكثر متانة من حيث الادخار الشخصي، الذي بلغت معدلاته قرابة 14.4% من الدخل، وهو مستوى يفوق بكثير نظيره الأمريكي، كما يتجاوز متوسطه التاريخي.
أما في المملكة المتحدة، فيقترب معدل الادخار من 10%، متجاوزاً أيضاً متوسطاته طويلة الأجل.
ظاهرياً، يمنح هذا الفارق أوروبا «وسادة أمان» تمكّن الأسر من امتصاص صدمة الطاقة دون اللجوء إلى الديون. غير أن هذه الوفرة في الادخار تعكس أيضاً جانباً سلبياً، يتمثل في ضعف الاستهلاك الكلي، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية ب «مفارقة الادخار»، حيث يؤدي الادخار المرتفع إلى كبح النمو الاقتصادي.
ورغم الفارق الواضح في معدلات الادخار، يحذر اقتصاديون من التسرع في استنتاج أن أوروبا في وضع أفضل. فارتفاع عدم اليقين، سواء بسبب الطاقة أو السياسة النقدية، قد يدفع الأسر الأوروبية إلى زيادة الادخار بدلاً من إنفاقه.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة مقارنة بفترة ما قبل الجائحة يعزز هذا الاتجاه، إذ يصبح الادخار أكثر جاذبية، ما يقلل من احتمالات استخدام هذه المدخرات لدعم الاستهلاك.
إضافة إلى ذلك، فإن مقاييس الادخار الرسمية تعاني قيوداً منهجية، إذ تُبنى على تقديرات غير مباشرة للدخل والإنفاق، وقد تخضع لمراجعات كبيرة. وتشير بيانات الودائع المصرفية إلى أن مدخرات الأسر الأوروبية، كنسبة من الدخل، ليست بالضرورة أعلى من مستويات ما قبل الجائحة، ما يضعف فرضية «الوسادة المالية» المريحة.
التوزيع غير المتكافئ
أحد أهم العوامل التي تعقّد الصورة هو التوزيع غير المتكافئ للمدخرات. ففي الاحتياطي الفيدرالي، تشير البيانات إلى أن أعلى 20% من أصحاب الدخل يمتلكون نحو 70% من إجمالي المدخرات.
وفي أوروبا، تكشف استطلاعات عن واقع مماثل، بحيث لا يمتلك نحو ربع الأسر هناك أي مدخرات على الإطلاق. هذا التركز يعني أن الجزء الأكبر من «وسادة الادخار» يقع في أيدي الفئات الأكثر ثراءً، والتي تكون أقل تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة، في حين تبقى الأسر ذات الدخل المحدود الأكثر عرضة للضغوط، رغم أنها تمثل الشريحة الأكبر من الاستهلاك.
في المحصلة، قد تمنح مستويات الادخار المرتفعة أوروبا قدرة نسبية على امتصاص صدمة الطاقة مقارنة بالولايات المتحدة، لكن هذا التفوق يظل مشروطاً بعدة عوامل، أبرزها سلوك الأسر في ظل عدم اليقين، وتوزيع المدخرات، وديناميكيات السياسة النقدية. وبينما تبدو الولايات المتحدة أكثر عرضة لضغوط فورية على الاستهلاك بسبب ضعف الادخار، فإن أوروبا ليست بمنأى عن المخاطر، خاصة إذا استمرت الأسر في تكديس المدخرات بدلاً من إنفاقها.
بالتالي، فإن الفارق بين الجانبين لا يعكس تفوقاً حاسماً بقدر ما يكشف عن اختلاف في طبيعة الهشاشة الاقتصادية، بين اقتصاد يعتمد على الاستهلاك مع هوامش ادخار محدودة، وآخر يمتلك مدخرات أعلى لكنه يعاني ضعفاً الطلب الكلي.