لُغتنا العربيةُ، يُسر لا عُسر، تتميّز بجمالياتٍ لا حدودَ لها ومفرداتٍ عَذْبةٍ تُخاطب العقلَ والوجدانَ، لتُمتعَ القارئ والمستمعَ، تُحرّك الخيالَ لتحلّقَ بهِ في سَماءِ الفكر المفتوحة على فضاءات مُرصّعةٍ بِدُرَرِ الفِكر والمعرفة. وإيماناً من «الخليج» بدور اللغة العربية الرئيس، في بناء ذائقةٍ ثقافيةٍ رفيعةٍ، نَنْشرُ زاوية أسبوعية تضيءُ على بعضِ أسرارِ لغةِ الضّادِ السّاحِرةِ.
في رحاب أمّ اللغات
من بدائع التّشابه في نَظْم الشُّعراء قولُ وَلَّادةَ بنتِ المُسْتكفي:
تَرَقَّبْ إذا جَنَّ الظَّلامُ زِيارَتي
فإنّي رَأَيْتُ اللَّيْلَ أَكْتَمَ لِلسِّرِّ
وبي مِنْكَ ما لَوْ كانَ بالشَّمْسِ لَمْ تَلُحْ
وبالبَدْرِ لَمْ يَطْلُعْ وبالنَّجْمِ لَمْ يَسْرِ
وقولُ أبي العلاء المَعرّي:
مِنْكَ الصُّدُودُ ومِنِّي بِالصُّدُودِ رِضا
مَنْ ذا عَلَيَّ بِهَذا فِي هَواكَ قَضى
بِي مِنْكَ ما لَوْ غَدا بِالشَّمْسِ ما طَلَعَتْ
مِنَ الْكآبَةِ أَوْ بِالْبَرْقِ ما وَمَضا
وكانا في الزّمن نفسه، فلم يعرف أيّهما اتّبع الآخر.. أم أنّها مصادفة محضة وتوارد خواطر..
دُرَرُ النّظْمِ والنَّثْر
تَأتي الدَّلالَ
أحمد شوقي
(بحر الكامل)
تأتي الدَّلالَ سَجِيَّةً وتَصَنُّعا
وأَراكَ في حالَيْ دَلالِكَ مُبْدِعا
تِهْ كَيْفَ شِئْتَ فَما الجَمالُ بِحاكِمٍ
حَتّى يُطاعَ عَلى الدَّلالِ ويُسْمَعا
لَكَ أَنْ يُرَوِّعَكَ الوُشاةُ مِنَ الهَوى
وعَلَيَّ أَنْ أَهْوى الغَزالَ مُرَوَّعا
قالوا لَقَدْ سَمِعَ الغَزالُ لِمَن وَشى
وأَقولُ ما سَمِعَ الغَزالُ ولا وَعى
أَنا مَنْ يُحِبُّكَ في نِفارِكَ مُؤْنِساً
ويُحِبُّ تِيهَكَ في نِفارِكَ مَطْمَعا
قَدَّمْتُ بَيْنَ يَدَيَّ أَيّامَ الهَوى
وجَعَلْتُها أملاً عَلَيْكَ مُضَيَّعا
وصَدَقْتُ في حُبّي فَلَسْتُ مُبالِياً
أَنْ أُمْنَحَ الدُّنْيا بِهِ أَو أُمْنَعا
يا مَنْ جَرى مِنْ مُقْلَتَيْهِ إِلى الهَوى
صِرْفاً ودارَ بِوَجْنَتَيْهِ مُشَعْشَعا
من أسرار العربية
في صفات الرّجُل الرفيعة: الحُلاحِلُ: الشُّجاعُ. الهُمامُ: البَعيدُ الهِمَّةِ. القَمْقامُ: الجَوادُ. الغِطْرِيفُ: الكَرِيمُ. الصِّنْديدُ: الشَّريفُ. البُهْلُولُ: الحَسَنُ البِشْرِ. المُعَمَّمُ: المُسَوَّدُ في قَوْمِهِ. الغَيْدَاقُ: الجَواد الواسِعُ الخُلُقِ، ومثله: السَّمَيْدَعُ. الأرْيَحِيُّ: يَرْتاحُ للنَّدَى. الخِضْرِمُ: الكَثيرُ العَطِيَّةِ. اللُّهْمُومُ: الجوادُ الواسعُ الصَّدْرِ. الكَوْثَر: الكَثيرُ الخَيْرِ؛ قال الكُمَيت:
وأنْتَ كَثيرٌ يا ابنَ مَرْوانَ طيِّبٌ
وكانَ أبوكَ ابنُ العَقائل كَوْثَرا
وفي الصفات السيّئة: السَيِّئُ الخُلُقِ: زَعِرٌ وعَزَوَّرُ. فإذا زَادَ: شَرِسٌ وشَكِسٌ. فإذا تَنَاهَى في ذَلِكَ: عَكِسٌ وعَكِصٌ. الشَّدِيدُ الإمْسَاكِ لِمالِهِ: مُسُكٌ. الضَيِّقَ النَّفْسِ الشَدِيدَ البُخْلِ: لَحِزٌ. الحَرِيصُ مَعَ شِدَةِّ بُخْلِهِ: شَحيحٌ؛ قال عمرو بن كلثوم:
تَرى اللّحِزَ الشّحيحَ إذا أُمِرَّتْ
عَلَيْهِ لِمالِهِ فيها مُهِينا
هفوة وتصويبِ
يستخدم بعضُهم هذا التعبير «وقَدْ أدّى أَوَدِ أُسْرَتِهِ» أي كَفاهم مَعاشَهم.. وهو خطأ، والصّوابُ «عالَ أُسْرَتَهُ أو أعالَها»، لأنّ الأَوَدُ: العِوَج أو الاعْوِجاج. وأوِدَ، يأْوَدُ أوَداً: اعْوَجَّ. «أقام أَوَدَهُ» أي أَعادَه إلى الطريق السليم. وتأَوّدَ النّبْتُ: تعطَّفَ وتعوَّج؛ قال قيس بن الملوّح:
فَلَوْ أَنّ ما أَبْقَيْتِ مِنِّي مُعَلَّقٌ
بعُود ثُمامٍ ما تأوّدَ عُودُها
ويقول آخرون «فُلانٌ استغابَ زميلَه»، أي ذَكرَ عُيوبَه في غيابِه، وهي خطأ، والصّواب «اغْتابَه»، والمَصدر «اغْتِياب»، والاسم الغَيْبةُ، وهو أن يتكلّم خلف إنسانٍ بما يَغُمُّه لو سَمِعه؛ فإن كانَ صِدْقاً سُمِّيَ غَيْبَةً، وإنْ كان كَذِباً سمِّي «بُهتاناً».
من حكم العرب
ذَريني أَنَل ما لا يُنالُ مِنَ العُلى
فَصَعبُ العُلى في الصَّعبِ وَالسَّهلُ في السَّهلِ
تُريدينَ لُقيانَ المَعالي رَخيصَةً
ولا بُدَّ دونَ الشَهدِ مِن إِبَرِ النَحلِ
البيتان لأبي الطيّب المتنبّي، يقول إن بلوغ المعالي والأمجاد، لا يكون إلّا ببذل الجهد ومعاناة الصعاب، كالحصول على العسل، تسبقه لدغات النحل.