بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، خلال جولته في إفريقيا، إبريل/ نيسان 2026، انتقد الرئيس دونالد ترامب، لإفراطه في استعمال عامل القوة، الذي يهدّد به العالم، وبدوره، هاجم ترامب بابا الفاتيكان. لذا، زاد التباين والانشقاق بين الكنيسة الكاثوليكية والبيت الأبيض.
سياسة البابا ليو تستظل بالقيادة الملهمة للبابا الراحل فرنسيس الذي انتقد أيضاً سياسة المواجهات العسكرية لترامب، الذي لديه خصومة مع أغلب العالم، التي جعلته في أزمات متتالية. البابا ليو وصف حروب الشرق الأوسط، بالحرب العالمية الثالثة، المجزأة نظراً لارتداداتها الخطرة، وسعياً للتهدئة.
إن سياسة البابا الحالي، وسلفه، هي امتداد لرسالة «السلام في الأرض»، التاريخية التي أطلقها الفاتيكان عام 1963، في ذروة صراع الحرب الباردة، ودعا فيها إلى الحوار والتفهم، وإلى عالم لا يعرف حدوداً، وليس مقسّماً، وعدم اللجوء إلى السلاح والحروب، وطالب الجميع بالسعي إلى بناء مسارات للسلام، وهي امتداد لوثيقة «العدالة في العالم»، التي أصدرها أساقفة روما عام 1968، ونهوا فيها عن «قهر الإنسان». كما تشكل امتداداً لوثيقة «الأخوّة الإنسانية» التي وقّعها البابا الراحل في أبوظبي مع شيخ الأزهر.
سياسة الفاتيكان تثمّن الإنسان، والفطرة، والعقل، والضمير، والخير الأعظم، والشركة الأخلاقية، وهي قائمة على «المحبة»، و«الوصايا المسيحية»، مثل: «طوبى لصانعي السلام»، «لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير»، «مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا»، «الكلام الحسن شهد عسل»، «يوجد من يهذر مثل طعْن السيف»، «ويلٌ للقائلين للشر خيراً وللخير شراً»، والمحافظة على الحياة متضمنة في الوصية القائلة: «لا تقتل»، الدافعة إلى الاهتمام بالآخرين، وزرع القبول لإنسان ما لدى إنسان آخر، اختياراً لا اضطراراً، والتواصل الإيجابي، والمساندة والمشاركة والتعايش والتشجيع والاحترام والإعجاب والشعور بالأمان والتعزية/ المواساة، ودفء المشاعر المتبادل. والتخلي عن ذلك يصنع فوضى وانهياراً لمعايير التمييز بين الشر والخير.
قال البابا فرنسيس «الكنيسة مستشفى ميداني»، كناية عن خدمتها للناس، كالفقراء، والمتضررين من الحروب والأزمات، والمحتاجين إلى دعم، روحي ومادي. وعلى ذات القاعدة الخدمية تسير أيّ حكومة رشيدة، فلا تخلق أزمات، ولا تكون مصدراً للحروب والتعدي.
إن سوء الفهم والتقدير، والميل إلى الضرر، والتدمير، والحرب، ومناهضة القانون الدولي، وتعريض النظام الدولي للمخاطر، تشوّه في الوعي والعمل، مردّه دوافع سياسية، واقتصادية، وإيديولوجية، وأمراض نفسية واجتماعية، تتطلب تحليلاً واقعياً لعلاجها.
الفاتيكان طوّر مبدأ «حرية الإنسان في الاختيار»، سياسياً بتجاوز الفرد نقائصه الذاتية، وتخلّيه عن الأخلاق والصفات الذميمة، واختياره، طوعاً لا كرهاً، الفضائل والأخلاق الحسنة، مثل العدل، فيحقق السلام في ذاته، ثم ينقله إلى الغير.
السلام ليس ذاتياً فقط، وإنما عام، وجمعي، واجتماعي. وحين تتجاوز الحكومات، المثالب السياسية، بانتهاج سياسات عادلة، فإنها تحقق «السلام» في هياكلها، وتسهم في تحققه، إقليمياً وعالمياً.
والإجابة عن السؤال: أيّ نوع من المجتمعات والمؤسسات نريد أن يكون لدينا؟ وعلى مستوى النظام العام، تنشأ الحكومات الرشيدة، وتمارس الفضائل السياسية، بلا تعارض، بين الفضيلة السياسية والمصلحة السياسية، بل بانسجام بينهما، وصولاً إلى فهم المصير الإنساني. التاريخ الإنساني لم يتجمد، ويتوقف عند نقطة معينة، والقائلون بنهاية التاريخ وانتصار الفلسفة الليبرالية الغربية، وحتمية صدام الحضارات، والعدمية، مخطئون.
العالم له مقاصد إيجابية، ويتقدم للأمام، نحو أزمنة جديدة ومستقبلية، بمتغيّراتها الفكرية والعلمية والسياسية. وخطابات ورسائل البابا الحالي والسابق، وإن تحدثت عن «حياة الآخرة»، الحاضرة في وجدانهما ووجدان المؤمنين، تتطلب تنظيم العالم المادي والنظام الدولي، أخلاقياً، جمالياً، تنموياً، بسياسات حكومية رشيدة، تستفيد من التراكم المعرفي والإيماني والحضاري، والإنساني.
الزيارات الميدانية والجولات العالمية البابوية تعكس «سياسة السلم الفاتيكاني». في عام 2013 زار البابا فرنسيس جزيرة لامبيدوزا، وتناول فيها أزمة المهاجرين، وألقى إكليلاً من الزهور في البحر إحياء لذكرى المهاجرين الغرقى، وتحدث عن «عولمة اللامبالاة»، ومسببات الهجرة، وغياب العدالة والمساواة، ودور الحروب، والأزمات السياسية في دفع الناس إلى هجرة أوطانهم، وتعرّضهم لمخاطر السفر عبر البحار في سفن متهالكة، وغرقهم، وعبورهم حدود الدول بشكل غير قانوني، وتعرّضهم للمساءلات والأذى. وزار، البابا فرنسيس، منطقة (كالابريا) – الإيطالية، التي تعاني نفوذ عصابات المافيا والسرقات، وأطلق خلالها تصريحه الشهير بحرمان أعضاء المافيا من الشركة الكنسية.
البابا الحالي والسابق يؤمنان بالقدرة الإنسانية المتضامنة على بناء نظام دولي إنساني، عادل، مختلف عن النظام الحالي، الذي يعاني التسلط، والانتهاكات. وحتى إن لم يتشكل النظام الدولي الواعد، كما ينبغي، فإنه حاضر في علمهما، وعملهما، على الرغم من المعوقات.
