الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
جماليات إماراتية

فايزة حسن.. الذاكرة الثقافية في وعاء

10 مايو 2026 13:38 مساء | آخر تحديث: 10 مايو 14:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
اللوحة
اللوحة
icon الخلاصة icon
لوحة فايزة حسن توثق التراث عبر امرأة تحمل «الحب» رمز الصمود والعطاء، بتكوين ثابت وتدرج لوني دافئ يبرز الهوية والحنين للماضي
يؤدي الفن دوراً أساسياً في حفظ الرموز الثقافية والتراثية، من خلال توثيقها عبر إعادة تقديمها برؤية جمالية معاصرة، واستطاع الفن التشكيلي الإماراتي أن يمنح المرأة حضوراً رمزياً بارزاً، يجسد رمزيتها للصمود والعطاء والانتماء، مع إبراز لدورها الكبير في بناء المجتمع قديماً وحديثاً، وتسعى العديد من الأعمال الفنية لتقديم المرأة في قراءة بصرية جديدة تربط الحاضر بالماضي العريق، وتعيد من خلالها أحياء العناصر التراثية، ليصبح الفن مساحة للحفاظ على الهوية وتعزيز استمراريتها.
فايزة محمد حسن
فايزة محمد حسن
تقدم هذه اللوحة للفنانة الإماراتية فايزة محمد حسن، معالجة بصرية فنية تستند إلى تمثيل المرأة حاملة الذاكرة الثقافية، لتربط لنا في اللوحة بين الماضي العريق والحاضر الذي يتحدى التحديات، فتتجلى لنا القيمة الفنية لهذه اللوحة في قدرتها على الجمع بين البساطة في التنفيذ والقيمة الرمزية العالية المشحونة بدلالات ثقافية واجتماعية متجذرة في البيئة الإماراتية.

* تراث

أعتمدت الفنانة في بناء التكوين الفني على التقاط مشهد من التراث الإماراتي العريق، ممثلاً في سيدة تحمل على رأسها وعاءً فخارياً يستخدم في جمع المياه من الآبار، والذي يسمى في الموروث الثقافي «الحب»، حيث كانت النساء تذهب للبئر للتزود بالمياه لأغراض الشرب والاستخدامات المنزلية، في دلالة رمزية على المجهود العظيم الذي كانت تبذله النساء قديماً للوفاء بالالتزامات والواجبات المنزلية، وعبرت الفنانة عن ذلك بأسلوب فني واقعي مبسط دون الإخلال بالتفاصيل الجوهرية، فيظهر ذلك في ملامح الوجه التي رسمتها بخطوط تمنح الشخصية طابعاً إنسانياً وتأملياً، فملامح الوجه الهادئة، رغم التعب الضمني، تعكس رضاً داخلياً أو تقبلاً للدور، وهو ما يفتح باب التأويل حول العلاقة بين الإنسان وواجباته في المجتمعات التقليدية.
التكوين الفني للوحة يركز على شخصية واحدة في وضعية ثابتة، مع حركة خفيفة في الذراع التي تثبت إناء الفخار، وهذا التكوين يخلق لدى المتلقي المتأمل للوحة إحساساً بالثبات والاستقرار، وهو انعكاس رمزي لقوة المرأة في المجتمع الإماراتي، ويتمثل ذلك وضع «الحب» على الرأس ليكون هو محور التكوين، حيث تتجه العين مباشرة إليه، ثم تنحدر بصرياً نحو الوجه ثم الجسد، في تسلسل بصري مدهش يحقق انسجاماً في قراءة اللوحة، ويؤكد أن الحمل والجهد (المادي والمعنوي) هو الفكرة المركزية للعمل.كما أن وجود وعاء آخر على الأرض في خلفية اللوحة، حمل بعداً آخر من حكاية اللوحة، ليعبر لنا عن المشهد الذي هو جزء من يوميات متكررة، وأعمال روتينية قاسية كانت تضطلع بها النساء قديماً، ليدخل المتأمل للوحة في سياق الحياة اليومية القديمة.

*تدرج

يعكس توزيع الضوء والظل في اللوحة وعيا ًكبيراً من الفنانة في المشهد البصري من حيث الكتلة والحجم، ونرى ذلك بوضوح في وعاء الفخار على الرأس، حيث تتدرج الألوان الدافئة بين البني والأبيض والرمادي، مانحة الإحساس بثقل المادة وملمسها الخزفي، وساهم هذا التدرج اللوني على إبراز الشكل، كما أضفى أيضا ًبعداً حسياً جعل العنصر التشكيلي يبدو ملموساً وحاضراً في فضاء اللوحة التشكيلي.
وجاء اختيار الفنانة للخلفية بدرجات البني لتدل على حس فني عالٍ، فهذا اللون له رمزيات غالباً ترتبط بالأرض والطبيعة والجذور، لذلك يرمز هنا إلى الثبات والواقعية والحميمية، كما أنه منح اللوحة إحساساً بالدفء والسكينة، وأثار أيضاً معاني الحنين إلى الماضي أو الإيحاء بالزمن والقدم، فجعلت منه الفنانة فايزة عنصراً لونياً يؤدي دوراً مزدوجاً، فهو من جهة عمل على إبراز الشخصية كعنصر مركزي في العمل، وفي الوقت ذاته خلق عمقاً بصرياً هادئاً يوحي بزمن ممتد وفضاء مفتوح، أقرب إلى البيئة الصحراوية أو التقليدية.
وضمن هذا السياق، يتشكل تباين لوني متوازن في العمل بين الأسود في العباءة أو الشيلة، بما يحمله من دلالات الوقار، وبين الوردي أو الأورجواني في الثوب، الذي يضفي دفئاً أنثوياً ذكياً، وعلى الرغم من شدة وقسوة الأعمال التي كانت تؤديها النساء قديما، فهن من الداخل يحملن أنوثة عذبة وحباً وحناناً، وهذا التباين اللوني المنسجم والرمزي منح العمل انسجاماً بصرياً في المشهد يعكس ذائقة لونية فنيةعالية.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة