في الوقت الذي تتسابق فيه القوى التكنولوجية الكبرى لبناء مراكز بيانات عملاقة وتوسيع آفاق الابتكار الرقمي، يبدو أن الشارع الأمريكي يسير في اتجاه مغاير تماماً، يملؤه الحذر والتوجس. فبينما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي ثورة صناعية رابعة، أظهرت نتائج دراسة استقصائية وطنية حديثة أن الأمريكيين غارقون في حالة من «التشاؤم الرقمي»، حيث لم تعد التكنولوجيا بالنسبة لهم مجرد أداة للتطور، بل مصدر تهديد يتطلب تدخلاً حكومياً عاجلاً لوضع أطر تنظيمية صارمة تحمي المجتمع من تداعياتها غير المنضبطة.
وكشف الاستطلاع عن قلق عميق يسكن وجدان المواطن الأمريكي، حيث أعربت الأغلبية الساحقة عن مخاوف حقيقية تتعلق بالأمن الوظيفي؛ إذ يُنظر إلى «الأتمتة» كشبح يهدد أرزاق الملايين. ولم يتوقف الأمر عند لقمة العيش، بل امتد ليشمل تآكل الخصوصية، حيث يخشى المشاركون من تحول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى أدوات مراقبة فائقة تخترق أدق تفاصيل حياتهم الشخصية.
كما برزت التساؤلات الأخلاقية حول كيفية اتخاذ القرار الآلي، ومدى نزاهة الخوارزميات التي تتبنى تحيزات بشرية تؤدي إلى ممارسات تمييزية في مجالات حساسة كالقضاء والتوظيف.
ووسط هذه الضبابية، تبلور إجماع وطني لافت حول ضرورة خروج الحكومة الأمريكية من دور المتفرج إلى دور الرقيب. وتعكس بيانات الاستطلاع طلباً شعبياً ملحاً لصناع السياسات لاتخاذ خطوات استباقية للإشراف على تطوير ونشر هذه التقنيات. وشدد المشاركون على أهمية صياغة مبادئ توجيهية واضحة تنظم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية مثل الرعاية الصحية، والتمويل، والنقل، لضمان عدم إساءة استخدام هذه الأنظمة أو وقوع عواقب كارثية غير مقصودة. كما كانت هناك دعوة صريحة للشفافية والمساءلة، بحيث يلتزم المطورون بكشف آليات عمل خوارزمياتهم لضمان عدالتها ومواءمتها مع القيم المجتمعية والأخلاقية.
تؤشر هذه النتائج إلى تحول جوهري في العقد الاجتماعي بين الجمهور والتكنولوجيا؛ فالأمريكيون اليوم يرفضون سياسة «النمو بأي ثمن».