نتذكر في بداية الحرب الأطلسية الروسية على الأراضي الأوكرانية، كيف كان كبار المسؤولين الأوروبيين يسخرون من التكنولوجيا الروسية، فوصفوا روسيا بأنها مجرد «محطة وقود»، وذلك اعتباراً بالفجوة التكنولوجية التي تفصلها عن العالم الرأسمالي الغربي، وكذلك عن الصين، قد تكون روسيا دولة عظمى بقوتها النووية الضاربة، وببعض صناعاتها العسكرية المتميزة، وبصناعتها الفضائية الرائدة، وبالإنتاجية العالية لقطاعها الزراعي، وبعلمائها المتميزين في مجالات الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة والطب. لكنها تبقى دولة نصف ريعية، لا زالت موازنتها العامة تتمول من ريع النفط والغاز، فحتى لو نجحت في خفض حصة إيرادات النفط والغاز في موازنتها من 45% في 2021 إلى نحو 30% في 2024 و2025، إلا أن عيون قيادات البلاد السياسية والعسكرية، تبقى طوال الدورة الاقتصادية السنوية مسلطة على مؤشر أسعار النفط والغاز في أسواق الهيدروكربون العالمية، لأن أي انخفاض في سعر النفط أو الغاز يعني خصماً مؤذياً من إيرادات الموازنة التي بُنيت نفقاتها التقديرية، جزئياً، على أساسها.
المثال التالي يشرح جانباً من هذه الفجوة، وهو يتعلق بإعلان رئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين في منتدى ألماتي الرقمي في كازاخستان الذي عقد خلال الفترة من 31 يناير إلى 1 فبراير 2025، أنه في عام 2026، ستطلق روسيا أربعة أقمار صناعية إلى المدار، مما سيوفر الإنترنت عالي السرعة عريض النطاق لكامل أراضي البلاد، بما في ذلك القطب الشمالي، وستُطلق نحو 300 قمر صناعي في المستقبل ستكون قادرة على تغطية احتياجات جميع دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (Eurasian Economic Union - EAEU) بالكامل، هذا رقم متواضع جداً، ماذا تعني أربعة أقمار صناعية في 2026 أو حتى 300 قمر صناعي في المستقبل غير المعلوم (الذي يصعب على الدوما الروسي مساءلة رئيس الحكومة الروسية على موعد إنجازها)، وذلك مقارنة بما تحوزه شركة تقنيات استكشاف الفضاء، سبيس إكس (Space Exploration Technologies Corp or just SpaceX) التي أسسها البليونير الأمريكي إيلون ماسك في عام 2002. بحسب عالم الفيزياء الفلكية ومتتبع الأقمار الصناعية جوناثان ماكدويل (Jonathan McDowell)، تدير سبيس إكس (حتى فبراير 2025)، ما يقرب من 7000 قمر صناعي من ستارلينك في مدار أرضي منخفض، هذا يرينا حجم الفجوة التكنولوجية التي قصدناها، والتي تفصل روسيا عن أمريكا والصين.
لكن الواقع آخذ في التغير بسرعة، فقد أضحت روسيا اليوم من الدول الرائدة عالمياً في العديد من التقنيات الاستراتيجية: الطاقة النووية، الحوسبة الكمومية، الليزر، الفضاء، والتكنولوجيا العسكرية، وإذا ما سارت الأمور على النسق الحالي، فإن روسيا ستبرز خلال السنوات العشرين المقبلة كقوة تكنولوجية عظمى في أوروبا. إليكم المعطيات:
تمتلك روسيا أحد أعلى معدلات خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في العالم، الأمر لا يقتصر على الكم فحسب، بل يشمل الجودة أيضاً، حيث يفوز الطلاب الروس بانتظام في أولمبياد الرياضيات والعلوم الدولية، وصارت روسيا من الدول القليلة التي تمتلك منظومة رقمية متكاملة خاصة بها بديلاً لجوجل، ويوتيوب، وأمازون، وأوبر.
قطاع تكنولوجيا المعلومات الروسي شهد نمواً قوياً خلال السنوات القليلة الماضية. يعود ذلك جزئياً إلى العقوبات الغربية، ففي الفترة من 2019 إلى 2024، ارتفع إنتاج قطاع تكنولوجيا المعلومات من 21.55 مليار دولار إلى 47.23 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 119%، وهو ما يُشكل معدل نمو سنوي متوسطاً يبلغ نحو 16.5%. محللون في شركة «ستراتيجي بارتنرز» يتوقعون بأن ينمو سوق تكنولوجيا المعلومات الروسي بحلول عام 2030 بمعدل 12% سنوياً ليصل إلى 67 مليار دولار أمريكي، أي ما يقارب ضعف معدل النمو العالمي.
كما قدَّمت العقوبات الغربية لروسيا حافزاً لتطوير نظامها الرقمي الخاص بها بالكامل، فراح الروس يتحولون من المنصات الغربية إلى المنصات المحلية، على سبيل المثال: من Google إلى Yandex، ومن YouTube إلى RuTube (منصة فيديو روسية تتضمن مكتبة من الأفلام والمسلسلات والرسوم المتحركة والبرامج والبث المباشر، كما تستضيف المدونات والبودكاست وبث ألعاب الفيديو والمحتوى التعليمي)، وVK (بالروسية VKontakte والإنجليزية InContact، وهي منصة روسية للتواصل الاجتماعي والشبكات الاجتماعية عبر الإنترنت، متاحة بعدة لغات ومقرها سانت بطرسبرغ)، ومن Netflix إلى Kinopoisk (قاعدة بيانات روسية على الإنترنت تحتوي على باقات أفلام متنوعة)، وIVI (خدمة بث الفيديو الروسية عبر الإنترنت تقدم محتوى فيديو من الأفلام والبرامج التلفزيونية والرسوم المتحركة ومقاطع الفيديو الموسيقية).
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
