طوال الأسابيع الماضية، تعلقت العقول وتأهبت أسواق المال ووسائل الإعلام لما سيسفر عنه لقاء القمة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ، فأوجاع الاقتصاد وحدّة التنافس السياسي أصبحت تؤلم الجميع.
بعد تأجيلات عدة بسبب إنشغال الرئيس الأمريكي بالحرب الإيرانية، وصل ترامب إلى بكين بصحبته وفد من صفوة المديرين التنفيذين لكبريات الشركات الأمريكية، وفي مقدمتهم إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركتي«تسلا» و«سبيس إكس»، وتيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة «أبل»، وجنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، مع استباق الزيارة بمفاوضات تجارية بين البلدين في كوريا الجنوبية، مع ظهور مؤشرات أولية تفيد بأنها مبشرة.
يبدو أن ترامب أتى محملاً بأمنيات تثبت أن رجل الحرب في الخليج قادر على صياغة اتفاق اقتصادي في بلاد التنين، لذا حملت تصريحاته قبيل الزيارة دعوات لفتح بكين أسواقها أمام الشركات الأمريكية، وعبارات إشادة بالقيادة الصينية وقدرات بلادها، في محاولة لتلطيف الأجواء تحمل تراجعاً ضمنياً عن القيود التي فرضها مسبقاً على تعاون هذا الشركات مع الجانب الصيني.
ولعلّ ذلك يعود لإدراكه أن الشارع الأمريكي لن يقبل عودة رئيسه من هذه الزيارة من دون سلسلة من الاتفاقيات التي تنعش الاقتصاد، وتوفر فرص عمل، وتكسر ارتفاع الأسعار، فالحرب الإيرانية طال أمدها، وتزايدات كلفتها، وتعمقت تداعياتها.
في المقابل، مالت بكين إلى التحلي بأكبر قدر من التماسك بشأن التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، ووضع هذه التداعيات في سياق الوضع الدولي العام الذي سيتضرر منه الجميع، والاكتفاء بالإشارة إلى تمتعها بالمرونة لإيجاد بدائل للنفط الخليجي، مع اظهار صلابة اقتصادية تحمي الداخل من الارتدادات العنيفة للحرب. ومن جهة أخرى، حرصت على توفير استقبال ودّي رفيع يليق بمكانة الضيف الزائر وبلاده، تأكيداً على أن هناك فرصاً للشراكة بينهما مازالت قائمة حتى وإن حضر التنافس بقوة.
وعلى الرغم من تعدّد الملفات السياسية، ومنها قضية تايوان والوضع في الشرق الأوسط والحرب الإيرانية وأوكرانيا، لكن هناك تفاهماً أمريكياً صينياً ما، بإيقاف ضجيج الطاحونة السياسية، وعدم السماح للخلاف بينهما بعرقلة التفاهم الاقتصادي، طالما ظل هذا الخلاف في نطاقه المقبول، فالإجماع على السعي لمزيد من التعاون التجاري بين البلدين كان علامة بارزة في خطاب الرئيسين، ودعوة ترامب لانفتاح الصين وترحيبها بنشاط أكبر للشركات الأمريكية قوبلت باستجابة من شي، ووعود بتفاعل أكثر تأثيراً.
أصوات الشركات الكبرى قد لا تبدو عالية وواضحة في وسائل الإعلام المتابعة للزيارة، لكن المؤكد أن أصوات هذه الشركات كان مسموعاً بوضوح على طاولة المباحثات، نظراً للأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لمنتجاتها للدول، والحياة اليومية للأفراد وقيمتها التريليونية، ومئات الآلاف من الوظائف المرتبطة بها.
مهما كان حجم التفاهمات التي ستسفر عنها هذه الزيارة، فهي في النهاية مفيدة للاقتصادَين، الأمريكي والصيني، فكلاهما يحتاج إلى فرصة لالتقاط الأنفاس وطمأنة الأبناء في الداخل والشركاء في الخارج، فالعالم الذي ينتظر الطحين الذي ستنتجه هذه القمة لا يمكنه تحمّل صدام عنيف بين أكبر اقتصادين.
باحث في الشؤون الصينية
