الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخليج العربي في قلب العالم

17 مايو 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 17 مايو 00:11 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في دفاتر حسابات المتقاتلين على الضفة الشمالية من الخليج وفي مضيق هرمز، كل المساحات مُخصّصة لاحتساب الأرباح والخسائر لدى المشاركين في الحرب، وهناك تجاهل كبير للمتأثرين فيها، وللمتضررين منها، فالولايات المتحدة الأمريكية، ومعها إسرائيل، باشرتا الحرب من دون التشاور وبلا استئذان، وإيران تهرُب إلى الأمام من خلال استهداف جيرانها في الخليج العربي، وحشر المجموعات الحليفة لها في لبنان والعراق في محرقة قاتلة، تُنهك بلاد الرافدين، وتكاد تقضي على بلاد الأرز.
يبدو أن الأطماع الاستراتيجية لدى طرفي النزاع هي التي تتحكَّم في مفاصل الحدث، حيث إن فريقاً يُعدّ العدّة للهيمنة، ولاستثمار المنطقة، وخيراتها، وموقعها لمصالحه، الاقتصادية والسياسية، بينما الفريق الثاني يتحيّن الفرص لتوسيع منسوب «انفلاشه» في البلدان المحيطة، واستغلال مقدرات ليست من حقه، وقد وصل الأمر إلى حد المطالبة بإدارة خاصة لمضيق هرمز الذي يعتبر بموجب القانون الدولي معبراً حراً تحكمه قواعد اتفاقية قانون البحار لعام 1982، والدول المُشاطئة له من الجهة الجنوبية - الغربية أكثر التصاقاً به، وقبل أن يُطلق عليه الاسم الجديد، كان عربياً خالصاً كما الجزر القريبة منه.
وكلا الفريقين المتقاتلَين يتسلح بميثولوجيات عقائدية غريبة عجيبة، تدّعي أن ما يحصل استحقاق تاريخي ذكرته «الكُتب» في روايات تتحدث عن معركة «هرمجدون» التي يروِّج لها بعض الإسرائيليين، وأصدقاء لهم في الولايات المتحدة الأمريكية، بينما يروّج الطرف الآخر لما يُسمى «معركة آخر الزمان» في استحضار لمشهديات غير مفهومة، وربما الهدف منها تخفيف منسوب المسؤولية عن الارتكابات التي تحصل بحق من ليس لهم علاقة بالحرب، ولتبرير حجم الضحايا والخسائر الكبيرة التي حصلت.
الخليج العربي، والدول القريبة من ساحات المعركة، تدفع أثماناً مرتفعة من جراء هذه الحرب، وأحياناً يشعر بعضها بأن استهدافه يحصل عن سابق تصوّر وتصميم -لا سيما من الجانب الإيراني- وقد وصل الأمر إلى فرض حالة ترهيب يرافقها تهديد، بما يمكن وصفه عدواناً واضحاً، واستغلالاً للحدث، لتنفيذ أجندة خاصة هدفها توسيع منسوب الهيمنة، وفرض وصاية على مضيق هرم، يتهدّد بموجبها استقرار الحراك التجاري والنشاط الاقتصادي، بما ينعكس سلباً على الأمن في المنطقة برمّتها.
الفريق الذي باشر الحرب على إيران تجاهل مصالح ورؤى دول المنطقة، وهو يمارس استهتاراً واضحاً بمقدرّاتها، وقد تكون أحد أهداف إسرائيل تقويض منسوب النمو، العلمي والمالي والاقتصادي، في هذه الدول، والفريق الآخر في الحرب يمارس ابتزازاً دانه العالم أجمع، من خلال قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 بتاريخ 11/3/2026 الذي اعتبر استهداف الصواريخ والمسيّرات الإيرانية للدول العربية المجاورة عدواناً موصوفاً، وخرقاً واضحاً للقانون الدولي.
المعتدون على دول الخليج العربي، والذين يحاولون فرض أمر واقع يتعارض مع مصالحها، ربما لا يدركون عناصر القوة التي تمتلكها هذه الدول، أو ربما يدركونها ويحاولون تجاهلها، فقمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي انعقدت استثنائياً بمدينة جدة في 28 إبريل/ نيسان اعتبرت أن أمن دول مجلس التعاون كلٌ لا يتجزأ، وأيّ اعتداء يستهدف أيّ دولة هو بمثابة عدوان عليها جميعاً. وحرص قادة دول الخليج على خفض التصعيد، وإنهاء الحرب القائمة، لا يعني بأية حال تفريطاً في المقدرات، الوطنية والقومية، لهذه الدول.
وما ظهر من تضامن عربي ودولي واسع مع دول الخليج العربي التي تعرضت للعدوان الإيراني، كان رسالة حاسمة في وجه المعتدين، وأكدت مواقف المُتضامنين على الاستعداد للمساندة إذا اقتضت الضرورة. ولعلّ عشرات الزيارات التي قام بها العديد من قادة دول العالم إلى دولة الإمارات، ودول المنطقة، وكذلك عشرات أو مئات الاتصالات التي تلقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، كانت خير دليل على المكانة الدولية التي تحظى بها دولة الإمارات، حيث عبر الجميع عن تضامنهم التام مع الإمارات، ووقوفهم إلى جانبها، وتأييدهم التام لما تتخذه من إجراءات مشروعة للحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها.
مناورة المتحاربين بهدف النيل من دول الخليج لاقت رفضاً حازماً، والنظر إلى هذه الدول المُسالمة والتي لا تريد الحرب بأنها ضعيفة، مقاربة موهومة. لأن لديها عوامل قوة كبيرة، ومقدراتها ومصالحها وأمن شعوبها، لا يمكن التفريط فيها، والدفاع عنها ثابت غير قابل للتراجع، ومحاولة البعض من القريبين من هذه الدول، أو البعيدين عنها، فرض أمر واقع يقلِّل من شأن هذه الدول، أو يفرض هيمنة عليها، هي بمثابة الأحلام غير القابلة للتطبيق على الإطلاق، مهما ازدادت الصعوبات، وجميع المعنيين بالحرب مطالبون بوقفها، واحترام القانون الدولي، وتجنُّب أيّ اعتداء على حقوق الآخرين، أو تسديد فواتير من حساباتها.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة