عاد التوتر بين الولايات المتحدة وكوبا إلى الواجهة مجدداً، لكن هذه المرة بنبرة أكثر حدة وتعقيداً، في ظل تبادل الرسائل السياسية والأمنية بين واشنطن وهافانا، وسط تقارير تتحدث عن استعدادات عسكرية كوبية وتلويح أمريكي بمزيد من الضغوط. وبين التصريحات النارية والتحركات غير المعلنة، يبرز سؤال أساسي: هل تتجه كوبا فعلاً إلى بناء استراتيجية دفاعية تحسباً لأي مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة؟
التصريحات الأخيرة للرئيس الكوبي ميغيل دياز كانل، التي حذر فيها من أن أي عمل عسكري أمريكي سيؤدي إلى مذبحة وعواقب واسعة على استقرار المنطقة، تعكس بوضوح حجم القلق داخل القيادة الكوبية من احتمال انتقال الضغوط الأمريكية من الإطار الاقتصادي والسياسي إلى مستويات أكثر حساسية. كما أن تأكيد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريجيز على حق الدفاع المشروع عن النفس يحمل رسائل مباشرة إلى واشنطن والمجتمع الدولي بأن هافانا تسعى إلى إظهار نفسها في موقع الدولة التي تستعد لحماية سيادتها لا التصعيد الهجومي.
التقارير الاستخباراتية التي تحدثت عن امتلاك كوبا مئات الطائرات المسيّرة العسكرية، وخطط محتملة لاستهداف منشآت أمريكية في حال وقوع مواجهة، أضافت بعداً جديداً للأزمة. ورغم عدم وجود أدلة علنية تؤكد تلك المزاعم، فإن توقيت تسريبها يشير إلى تصاعد مستوى التوتر السياسي والإعلامي بين البلدين، خاصة مع عودة الخطاب المتشدد داخل الدوائر المقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه هافانا.
في المقابل، تبدو كوبا مدركة حجم الاختلال العسكري والاقتصادي بينها والولايات المتحدة، ولذلك فإن تحركاتها المحتملة تندرج ضمن مفهوم الردع الدفاعي أكثر من الاستعداد لحرب تقليدية. فالدولة الكاريبية التي تعاني أزمة اقتصادية خانقة ونقصاً حاداً في الوقود والكهرباء، تدرك أن أي مواجهة مفتوحة ستكون مكلفة للغاية داخلياً وإقليمياً.
ومن هنا، يمكن فهم التحركات الكوبية على أنها محاولة لتجنب تكرار سيناريوهات شهدتها دول أخرى في المنطقة، حيث تحولت الضغوط الاقتصادية والعقوبات إلى بوابة لتغييرات سياسية حادة أو اضطرابات داخلية طويلة الأمد. هافانا تسعى إلى إظهار قدرتها على الصمود والردع في آن واحد، بهدف منع أي تفكير أمريكي بخيارات أكثر تصعيداً.
لكن في الوقت ذاته، لا تبدو المنطقة مهيأة لحرب مباشرة. فالتوازنات الدولية الحالية، والانشغالات الأمريكية في ملفات عالمية أخرى، إضافة إلى حساسية أي تصعيد عسكري في منطقة الكاريبي، تجعل من التصعيد السياسي والإعلامي الخيار الأكثر ترجيحاً في المرحلة الحالية.
ومع ذلك، فإن استمرار لغة التهديد المتبادل، وتزايد الحديث عن ملفات عسكرية وأمنية، يعنيان أن العلاقة بين واشنطن وهافانا دخلت مرحلة جديدة أكثر توتراً، قد تعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، وإن بصيغ وأدوات مختلفة.
