يتسع الشرخ عبر الأطلسي بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، الشركاء في حلف الأطلسي (الناتو)، من دون قدرة على تجسير الخلافات التي وصلت حداً بات يهدد مصير الحلف نفسه، والذي يعقد قمته المقبلة في أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) المقبل على أمل الخروج من مأزق صعب فشلت كل الجهود حتى الآن في التوصل إلى صيغة تعيد المياه إلى مجاريها بعد أن اتخذت الإدارة الأمريكية سلسلة من الخطوات التي تشير إلى أن الافتراق بات حتمياً.
آخر هذه الخطوات ما تم إعلانه، أن الولايات المتحدة تدرس تقليص القوات المخصصة للدفاع عن أوروبا، في إطار خطة لإعادة توجيه جزء من قدراتها العسكرية نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ لمواجهة الصين.
هذا القرار أبلغه الكسندر فيليز غرين مبعوث وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إلى الحلفاء في «الناتو» خلال اجتماع عقد الأسبوع الماضي في بروكسل، بأن واشنطن قررت خفض مساهمتها العسكرية المتاحة لمساعدة حلفائها الأوروبيين في حالات الأزمات بصورة كبيرة، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والسفن وطائرات التزويد بالوقود جواً.
ووفقاً لما ذكرته مجلة «دير شبيغل» الألمانية، فإن الولايات المتحدة سوف تخفض طائراتها المقاتلة بمقدار الثلث، وكذلك عدد المدمرات، ولم تعد تعتزم توفير أية غواصات، وبموجب هذه التغييرات ستضطر أوروبا إلى تغطية هذا الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة، وهو ما يعني أن أوروبا سوف تكون مكشوفة ولم تعد تحظى بالأهمية التي كانت عليها في السابق.
وقد سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن هاجم الحلفاء الأوروبيين مراراً، واتهم بعضهم بعدم دعم الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، والتقاعس في إعادة فتح مضيق هرمز، كما اتهمها بعدم إنفاق ما يكفي على جيوشها، وتعهد بسحب الآف الجنود من ألمانيا، وأطلق تهديدات باحتلال جزيرة غرينلاند، وهي إقليم دنماركي ما أدى إلى تأجيج التوتر عبر الأطلسي، كما أجبر الدول الأعضاء على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% سنوياً لسد الفجوة في القدرات العسكرية.
لقد سبق للرئيس الأمريكي أن وجه انتقادات لاذعة لحلف «الناتو» واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، وأنه لم يعد يخدم المصالح الأمريكية، و»يفقد قيمته الاستراتيجية»، وكان مخيباً للآمال يعتمد على الإنفاق العسكري الأمريكي، كما هدد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تزيد إنفاقها الدفاعي.
حاول أمين عام الحلف مارك روته تهدئة التوتر بين ضفتي الأطلسي واحتواء الخلافات المتزايدة، وزار واشنطن أكثر من مرة لهذا الهدف، كما التقى الشهر الماضي بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال اجتماع وزراء خارجية الحلف في السويد في محاولة لإيجاد صيغة توازن مقبولة بين الطرفين، لكنه لم يحقق النتيجة التي كان يطمح إليها، رغم الإيحاء بأن الحلف لا يزال بألف خير وقوله: إن الناتو «أكبر تحالف عسكري على وجه الأرض»، وأن الخلافات الحالية لن تمنعه من توجيه «رد مدمر» إذا تعرض أحد أعضائه لهجوم، وهو كلام فيه مبالغة كبيرة كرسالة من الاطمئنان ولا تمثل واقع الحال.
من الواضح أن الولايات المتحدة بدأت تنفض يدها رويداً رويداً من حماية أوروبا، التي لم تعد تشكل لها قيمة استراتيجية، وأخذت توجه جل اهتمامها نحو شرق آسيا، وتحديداً في مواجهة الصين التي باتت تشكل تحدياً حقيقياً يهدد تفردها بقيادة النظام العالمي.