يتحوّل التراجع المتسارع لاستثمارات شركات التكنولوجيا النظيفة الصينية في الولايات المتحدة إلى مؤشر اقتصادي أوسع في إعادة رسم خريطة الاستثمار الصناعي بين أكبر اقتصادين في العالم، في وقت تتزايد فيه القيود التنظيمية الأمريكية على الشركات المرتبطة بسلاسل التوريد الصينية، وتتراجع فيه الحوافز التي شكّلت خلال السنوات الماضية عامل جذب رئيسياً لرؤوس الأموال الأجنبية في قطاع الطاقة النظيفة.
ويبرز هذا التحوّل مع قرار شركة جينكو سولار بيع حصة مسيطرة في منشأتها بولاية فلوريدا، في خطوة تعكس اتجاهاً أوسع لشركات صينية بدأت تقليص انكشافها على السوق الأمريكية أو إعادة هيكلة وجودها فيها، وسط تصاعد الضبابية التنظيمية وتبدّل البيئة الاستثمارية.
بحسب بيانات مجموعة روديوم البحثية، ألغت شركات التكنولوجيا النظيفة الصينية خلال 2025 مشاريع تصنيع مخططاً لها في الولايات المتحدة بقيمة تقارب 2.8 مليار دولار، وأن أكثر من نصف الاستثمارات الصينية المقترحة في هذا القطاع، التي أُعلن عنها منذ عام 2022، جرى إلغاؤها أو تعليقها أو تأجيلها حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري.
ولا يقتصر التراجع على الاستثمارات الصينية وحدها، إذ سجّل إجمالي الاستثمار الأمريكي في التكنولوجيا النظيفة انخفاضاً 17% خلال العام الماضي، في دلالة على تباطؤ أوسع أصاب القطاع الذي كان حتى وقت قريب أحد أبرز محركات السياسة الصناعية في الولايات المتحدة.
وكانت الحوافز الضريبية التي أقرتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قد جذبت الشركات الصينية العاملة في الطاقة الشمسية والبطاريات وتقنيات السيارات الكهربائية، لتعلن استثمارات قاربت 5.6 مليار دولار في 2023 وحده، مستفيدة من موجة توسّع واسعة استهدفت تعزيز التصنيع المحلي في الصناعات الخضراء. لكن البيئة نفسها تغيّرت سريعاً. فمع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت واشنطن إعادة النظر في جزء من منظومة الحوافز الصناعية، بالتوازي مع تشديد القيود على الشركات ذات الصلات بما تصفه الولايات المتحدة ب«الكيانات الأجنبية المثيرة للقلق»، وهو تصنيف يشمل بدرجة أساسية الشركات المرتبطة بالصين.
وبموجب التشريعات الضريبية الجديدة، أصبحت المصانع الخاضعة لسيطرة شركات صينية أو المعتمدة بدرجة كبيرة على سلاسل توريد صينية تواجه صعوبة متزايدة في التأهل للحصول على الإعفاءات الضريبية والدعم الحكومي، وهي مزايا كانت تمثّل أحد أهم عناصر الجدوى الاقتصادية للاستثمار الصناعي في الولايات المتحدة.
وتحمل هذه التحولات آثاراً مباشرة على التنافسية. ففقدان الإعفاءات الضريبية يرفع كلفة الإنتاج ويقلّص هامش الربحية ويضع الشركات الأجنبية في موقع أقل قدرة على المنافسة مقارنة بالمصنعين المحليين.
في المقابل، تستفيد شركات أمريكية كبرى مثل «فيرست سولار» من هذه البيئة الجديدة، بعدما أعلنت أنها تتوقع الحصول على أكثر من ملياري دولار من الحوافز الضريبية خلال العام الحالي، ما يعزّز موقعها داخل السوق المحلية.
إعادة تموضع صيني
قرار «جينكو سولار» لم يكن حالة منفردة، فشركة ترينا سولار باعت حصة الأغلبية في منشأة تجميع في ولاية تكساس خلال 2024، فيما استحوذت «كورنينغ» على مصنع تابع لشركة «جيه إيه سولار» في أريزونا.
وتشير هذه التحركات إلى اتجاه متزايد نحو إعادة هيكلة الملكية لتخفيف الارتباط المباشر بالصين، أو الخروج الكامل من بعض الأصول الأمريكية، بما يسمح بخفض المخاطر التنظيمية والحفاظ على القدرة التشغيلية قدر الإمكان.
وتؤكد الشركات الصينية في بياناتها الرسمية أن هذه الخطوات تأتي ضمن إعادة توزيع للأصول الخارجية وتعزيز الامتثال للقواعد الأمريكية، إلا أن الرسالة الاقتصادية تبدو أوضح: الاستثمار الصناعي الصيني داخل الولايات المتحدة لم يعد يتمتع بالوضوح أو الاستقرار اللذين دفعا موجة التوسع قبل ثلاث سنوات.
انعكاسات تتجاوز الشركات
تتجاوز تداعيات هذا التحول الحسابات الخاصة بالشركات لتصل إلى بنية سلاسل الإمداد العالمية. وهنا، تسعى الولايات المتحدة إلى بناء قاعدة تصنيع محلية مستقلة نسبياً في قطاعات الطاقة النظيفة، فيما لا تزال الصين تحتفظ بموقع مهيمن عالمياً في إنتاج الألواح الشمسية، وتصنيع البطاريات، ومعالجة المعادن الحيوية الداخلة في تقنيات التحول في مجال الطاقة.
هذا التشابك يضع الاقتصاد الأمريكي أمام معادلة معقدة: تقليل الاعتماد على الصين من جهة، مع الحفاظ على زخم التحول الأخضر وكفاءة التكاليف من جهة أخرى.
أما بالنسبة للصين فإن تضييق المساحة الاستثمارية في الولايات المتحدة يدفع الشركات إلى تسريع تنويع الأسواق، سواء في جنوب شرق آسيا أو الشرق الأوسط أو أمريكا اللاتينية، وهي مناطق أصبحت تستقطب جزءاً متزايداً من استثمارات سلاسل التوريد الخضراء.