الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مستقبل الحكومات الذكية ترسمه الإمارات

28 مايو 2026 21:12 مساء | آخر تحديث: 28 مايو 21:14 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
عندما أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن المنظومة الجديدة لحكومة الإمارات، والتي تهدف لتحويل 50% من قطاعات وخدمات وعمليات الحكومة لتطبق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة (وكلاء الذكاء الاصطناعي)، خلال عامين، لم يكن ذلك مجرّد خطوة تقنية أخرى، بل إعلان بأن قدرات الذكاء الاصطناعي ستصبح جزءاً لا يتجزأ من البنية التشغيلية للحكومة.
وتعكس هذه اللحظة الفارقة رؤية قيادية تسبق التوجهات العالمية، ولا تكتفي بتبنّي التقنيات الناشئة، بل تعمل على تشغيلها وتطبيقها على نطاق وطني. ومن خلال ذلك، ترسّخ دولة الإمارات مكانتها كنموذج عالمي في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الواقعية.
وتُمثل نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة تحولاً هيكلياً، حيث لا تقتصر على أدوات تولّد المخرجات عند الطلب وحسب، بل هي أنظمة مستقلة موجهة نحو أهداف محدّدة، وقادرة على فهم السياق، واتخاذ القرارات، وتنفيذ إجراءات متعدّدة الخطوات على مسار العمل. وعند تطبيقها على نطاق واسع، لن يقتصر تأثيرها في تحسين الخدمات، بل ستغير طريقة عمل المؤسسات بالكامل.
ومن الطبيعي أن تثير هذه الطموحات العديد من التساؤلات، لا سيما في ما يتعلق بأمن الوظائف، ودور العمل البشري، حيث قد يفسر البعض هذا التوجه على أنه استبدال للأفراد عبر الأتمتة، إلا أن هذا الفهم لا يعكس حقيقة التقنية، ولا الغاية منها.
فالمستقبل الذي تبنيه دولة الإمارات ليس مستقبلاً يُستبعد فيه الإنسان من المنظومة، بل يُعزَّز فيه دوره. وستتولى نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة الأعباء الإدارية من خلال معالجة الطلبات، وتنسيق سير العمل، وإدارة تبادل البيانات، ما يتيح للكوادر الحكومية التركيز على التقييم واتخاذ القرار وتقديم الخدمات. فالأتمتة هنا ليست من أجل رفع الكفاءة وحسب، بل لتعزيز الأثر.
وفي هذا السياق، لا تبدأ دولة الإمارات من نقطة الصفر، حيث تمضي أبوظبي قدماً لتصبح أول حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي في العالم، بحلول عام 2027، مدعومة باستثمارات تتجاوز 13 مليار درهم. وفي الوقت ذاته، أعلنت مجموعة G42 عن تطوير مصنع نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة لتلبية الطلب المتسارع على هذه الأنظمة، مع قيام «بريسايت» بدور محوري في تطوير، ونشر هذه القدرات. وبوتيرة التقدم الحالية، بدأت هذه النماذج في تجاوز مجرد كونها أدوات مساعدة، لتصبح أنظمة قادرة على المشاركة الفعلية في العمل، مع نماذج ناشئة باتت قادرة حتى على التقدم للوظائف.
وبدأنا نشهد بالفعل، ملامح هذا التحول على أرض الواقع. وتُعد منصة «تم» في أبوظبي واحدة من أكثر النماذج تقدماً عالمياً في الخدمات الحكومية المعززة بنماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة، حيث أصبحت الخدمات أكثر تكاملاً واستجابة وتركيزاً على النتائج.
وفي دائرة الصحة في أبوظبي، نشرت «بريسايت» نماذج ذكاء اصطناعي لإدارة حركة المرضى خلال حالات الطوارئ، عبر توزيع المستشفيات وموارد الإسعاف والمسارات بشكل ديناميكي، إلى جانب محاكاة عمليات إخلاء المستشفيات باستخدام التوائم الرقمية لتعزيز الجاهزية.
وفي مكتب أبوظبي التنفيذي، تم تطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي لتحسين توزيع مواقع ملاجئ الدفاع المدني باستخدام بيانات متعدّدة الجهات، وكذلك لنمذجة التأثيرات، الاجتماعية والتنقلية والاقتصادية، للفيضانات، ما يتيح التدخل المبكر، والأكثر دقة.
هذه ليست مجرّد قدرات نظرية، بل أنظمة تشغيلية تحقق نتائج ملموسة.
وبالتوازي مع هذه الأنظمة المعقدة والحيوية، تعمل «بريسايت» أيضاً على تمكين الجهات الحكومية من أتمتة نطاق واسع من العمليات، الإدارية والتشغيلية، عالية الحجم، من خلال تطبيق نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة في العمليات اليومية التي تتطلب الكفاءة، والاتساق، وسرعة الاستجابة. والآن، تخيّل توسيع نطاق هذه القدرات لتشمل نصف عمل الحكومة.
عمليات ترخيص تتكيف ديناميكياً وفقاً لسياق المتقدم، وأنظمة رعاية صحية يتم فيها تنسيق مسارات المرضى بشكل استباقي، وأنظمة حضرية تستجيب في الوقت الفعلي للتغيرات في التنقل، والمرافق، والسلامة العامة، وأطر تنظيمية تنتقل من الرقابة الدورية إلى الامتثال المستمر.
هذا ليس مجرّد رقمنة للعمليات القائمة، بل إعادة تصميم لكيفية عمل الأنظمة. ومع توسّع هذه الأنظمة، سيتغير دورها؛ إذ ستنتقل نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة من كونها أدوات لتصبح بنية تحتية أساسية. ويتطلب تحقيق هذا التحول أكثر من نماذج متقدمة، بل يحتاج إلى أنظمة قادرة على العمل بشكل موثوق في بيئات واقعية معقدة، حيث يجب أن تظل البيانات، والقرارات، والإجراءات، متسقة باستمرار.
وهنا يأتي دور «بريسايت»، حيث نقوم بتصميم ونشر أنظمة ذكية تدمج البيانات، ونماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة، والتحكم التشغيلي ضمن البيئات الداعمة للحكومات والمؤسسات، لضمان ترجمة هذه القدرات إلى إجراءات، منسقة وفعّالة، على أرض الواقع.
فالتحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يكمن في تطوير المزيد من نماذج الذكاء الاصطناعي، بل في دمج قدرات الذكاء ضمن أنظمة يجب أن تعمل بكفاءة وأمان، وعلى نطاق واسع.
ومع تحول هذه الأنظمة إلى عناصر حيوية، تتغير المتطلبات؛ إذ يجب أن تكون سيادية، وآمنة، ومرنة بطبيعتها، وأن تعمل ضمن أطر حوكمة واضحة، مع ترسيخ الشفافية، والمساءلة، والإشراف البشري، في كل مستوى. وهذا ليس خياراً، بل أساس لا غنى عنه. وقد حدّدت دولة الإمارات هذا التوجه بوضوح.
وستحدّد الخطوات القادمة كيفية تطور الحكومات حول العالم في عصر الأنظمة الذكية. فالدول التي ستنجح هي التي ستتعامل مع الذكاء الاصطناعي ليس كبرمجيات، بل كبنية تحتية؛ وليس كمشاريع تجريبية، بل كتطبيق فعلي؛ وليس كقدرات منفصلة، بل كمنظومة تشغيلية متكاملة على مستوى الحكومة، والاقتصاد، والمجتمع.
وترى «بريسايت» أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد بالأتمتة، بل بالتعزيز من خلال أنظمة تدعم الحكم البشري، وتحسّن القدرات وتمكّن من اتخاذ قرارات أفضل في وقت أبكر، وبثقة أكبر.
وهنا يتحقق التقدم الحقيقي، وبقيادة دولة الإمارات، يتحول الذكاء الاصطناعي إلى نظام تشغيلي يشمل الحكومة، وما بعدها، غير أن قيمة هذا الذكاء الاصطناعي تكمن في النتائج التي يحققها.
لقد رسمت دولة الإمارات الاتجاه، وما سيحدث بعد ذلك لن يحدّد مستقبل الذكاء الاصطناعي في الحكومات عالمياً وحسب، بل سيعيد تعريف الخدمات الحكومية.
* الرئيس التنفيذي للعمليات في «بريسايت»

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة