في مؤشر واضح على التحول العميق الذي يضرب قطاع الخدمات المهنية عالمياً، كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن شركات المحاسبة الأربع الكبرى، «ديلويت»، و«إرنست آند يونغ»، و«كيه بي إم جي»، و«بي دبليو سي»، نشرت خلال العام الماضي إعلانات وظائف لمتخصصين في الذكاء الاصطناعي بأعداد تجاوزت للمرة الأولى وظائف التدقيق المالي التقليدية، في دلالة على أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة داعمة للمهنة، بل أصبحت في صلب نموذج أعمالها المستقبلي.
بحسب تحليل أجرته الصحيفة، استناداً إلى أكثر من 50 ألف إعلان توظيف في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وإيرلندا، شكّلت الوظائف التي تتطلب مهارات أو معرفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 7% من إجمالي الوظائف التي طرحتها الشركات الأربع، خلال عام 2025، مقارنة بأقل من 2% فقط في عام 2022، وهو العام الذي شهد إطلاق تطبيق «تشات جي بي تي». في المقابل، تراجعت وظائف التدقيق المالي إلى أقل من 3% من إجمالي الإعلانات، ما يعكس التحول المتسارع في أولويات شركات المحاسبة العالمية، التي باتت ترى أن مستقبل الصناعة يعتمد بصورة متزايدة على تحليل البيانات والأتمتة والأنظمة الذكية.
سباق بمليارات الدولارات
التحول لا يتعلق فقط بالتوظيف، بل باستثمارات ضخمة تضخها شركات الخدمات المهنية العالمية في البنية التكنولوجية والذكاء الاصطناعي، خاصة في مجالات التدقيق الضريبي وإدارة المخاطر وتحليل البيانات والكشف عن الاحتيال المالي. سعياً منها لتحسين أعمالها الداخلية، واقتناص فرص استشارية جديدة في سباق تبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي.
وباتت هذه الشركات تسعى إلى توظيف مهندسي التعلم الآلي ومطوري الأنظمة التوليدية وخبراء «وكلاء الذكاء الاصطناعي» القادرين على تصميم أدوات تؤدي مهام معقدة بصورة شبه مستقلة، من مراجعة المستندات إلى إعداد التقارير والتحليلات.
وقال أليكس هاميلتون، من شركة التوظيف «أودجرز»: «أصبح الذكاء الاصطناعي مجالاً استثمارياً استراتيجياً أساسياً لدى شركات المحاسبة الكبرى، ولا أحد يريد أن يتخلف عن الركب، لكن التحدي الحقيقي يكمن في نقص المواهب».
نهاية الهرم التقليدي
يضع هذا التحول نموذج العمل التقليدي لشركات الاستشارات والمحاسبة تحت ضغط متزايد، فعلى مدى عقود، اعتمدت تلك الشركات على هيكل هرمي كلاسيكي يقوم على عدد محدود من الشركاء، يشرفون على جيوش من الموظفين المبتدئين الذين ينفذون الأعمال اليومية كثيفة الجهد.
لكن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت قادرة على أداء جزء كبير من تلك المهام الروتينية، مثل التدقيق الأولي وتحليل العقود وتجهيز البيانات وإعداد المسودات، ما يثير تساؤلات حول مستقبل الوظائف المبتدئة التي كانت تمثل العمود الفقري لتلك المؤسسات.
مهارات تتصدر المشهد
اللافت أن نحو 80% من الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي طرحتها الشركات الأربع خلال 2025، تطلبت مهارات برمجية، مقارنة بنحو 60% فقط في 2021، وفق تحليل الصحيفة، وتنوعت الوظائف بين مهندسي ذكاء اصطناعي توليدي ومتخصصين في علوم البيانات ومطوري أدوات أتمتة، إلى جانب وظائف تجمع بين الجوانب التقنية والاستشارية، مثل مساعدة العملاء على تبني أدوات الذكاء الاصطناعي أو تدريب الموظفين على استخدامها.
إحدى الوظائف التي أعلنت عنها «كيه بي إم جي» طلبت مديراً يمتلك خبرة في «هندسة الأوامر» الخاصة بروبوتات المحادثة، وهي مهارة حديثة نسبياً ترتبط بتوجيه أنظمة الذكاء الاصطناعي لتنفيذ مهام معقدة بكفاءة أعلى.