لا شك أن القلق العالمي المتصاعد حول أسعار الغذاء وأمن موارده وسلامة سلاسل توريده، قلق مبرر يستدعي البحث عن حلول سريعة قبل أن يتضاعف عدد الجوعى الذين يفقد بعضهم حياته خاصة في الدول الأشد فقراً.
وتبحث لجنة الزراعة في مجلس الشيوخ أسباب أزمة الغذاء العالمية، وتسعى بلا شك إلى إيجاد حلول، ويصر أعضاء مجلس الشيوخ على الحصول على إجابات من الشهود حول العوامل التي تُسهم تحديداً في النقص الوشيك في الغذاء حول العالم.
ومع ذلك، فإن هذه الأزمة ليست ناجمة عن تصرفات المنتجين الأمريكيين، بل هي نتيجة حتمية لسلاسل التوريد العالمية المتكاملة التي تعمل تحت ضغط جيوسياسي كبير.
منذ بداية الصراع الإيراني وإغلاق مضيق هرمز، تضاعفت أسعار النفط الخام تقريباً، وارتفعت أسعار الديزل بنحو 50%. ونظراً لأن الوقود مُتضمن في كل مرحلة من مراحل سلسلة الإمداد الغذائي -من الجرارات وأساطيل النقل بالشاحنات إلى النقل بالسكك الحديدية والشحن البحري- فإن ارتفاع كُلف الطاقة يؤثر في القدرة على تحمل كُلف الغذاء، ويُمثل الوقود ما بين 15% و30% من كُلف إنتاج الغذاء في الولايات المتحدة.
في الوقت نفسه، يُواجه المزارعون في جميع أنحاء السهول الكبرى ظروف جفاف شديدة، حيث يعاني نحو 90% من ولايتي نبراسكا وأوكلاهوما حالياً إجهاد الجفاف، ما يهدد إنتاجية القمح واستدامة القطعان. لكن ربما يكون أحد أهم أسباب صعوبة توفير الغذاء هو تزايد الطلب على الأسمدة ونقص الإمدادات المتزايد، يقع سوق الأسمدة عند تقاطع قطاعات الطاقة والشحن والتعدين، وكل هذه القطاعات تتعرض لضغوط كبيرة، يعتمد سماد النيتروجين على الأمونيا المستخرجة من الغاز الطبيعي، بينما يستخدم سماد الفوسفات كميات كبيرة من الأمونيا والكبريت، وهو منتج ثانوي لتكرير النفط. ومعلوم أن منطقة الخليج هي مصدر لما يقارب نصف الكبريت المتداول عالمياً؛ وقد تسبب إغلاق مضيق هرمز -الذي يمر عبره عادةً نحو 16 مليون طن من منتجات الأسمدة سنوياً- في اضطراب هائل في حركة الشحن.
في الوقت نفسه، استهدفت غارات الطائرات الأوكرانية المسيّرة البنية التحتية الروسية لتكرير النفط والأسمدة، بما في ذلك منشآت النيتروجين المرتبطة بإنتاج الأمونيا، تُعدّ روسيا ثالث أكبر منتج للكبريت في العالم، وأكبر منتج للبوتاس، وهو أحد مدخلات الأسمدة.
وقد نتج عن ذلك تشديد في جميع أسواق المدخلات الرئيسية تقريباً، حيث انخفضت صادرات الأمونيا من روسيا بنحو 80% عن مستويات ما قبل الحرب، علاوة على ذلك فرضت الصين قيوداً جديدة على صادرات الأسمدة ومنتجات الكبريت لحماية الإمدادات الزراعية المحلية، ما حدّ من وصولها إلى بقية دول العالم.
وقد أثّر نقص الأسمدة بالفعل في قدرة الإنتاج الغذائي العالمي، يُعدّ استخدام الأسمدة حساسًا للغاية للوقت: فلا يمكن للمزارعين تعويض ما فاتهم من الأسمدة لاحقاً خلال موسم النمو، إذا أجبرت الكُلف المرتفعة على تقليص المساحات المزروعة أو خفض معدلات التسميد خلال فترات الزراعة، فإن غلة المحاصيل تتأثر سلباً بعد أشهر.
هذه التعديلات جارية بالفعل، ويتجه المزارعون بشكل متزايد نحو زراعة محاصيل أقل اعتماداً على الأسمدة مع ارتفاع كُلف المدخلات، من المتوقع أن تنخفض مساحة زراعة الذرة هذا العام، بينما انخفضت مساحة زراعة القمح إلى أدنى مستوى لها منذ قرن، نتيجةً لذلك يُقدّر المحللون أن صافي دخل المزارع قد ينخفض بما يصل إلى 60 مليار دولار عن ذروته في عام 2022.
* باحث بارز في مؤسسة جاك كيمب الأمريكية
للدراسات الاقتصادية «ريال كلير ويرلد».