الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العالم على مشارف طفرة استثمار كبرى

26 يوليو 2026 21:47 مساء | آخر تحديث: 26 يوليو 21:48 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
على مدى ثلاث سنوات متتالية، وصف محللو «وول ستريت» كل موجة صعود في أسهم التكنولوجيا بأنها «فقاعة»، وكل اجتماع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بأنه «فخ»، وكل مركز بيانات جديد للذكاء الاصطناعي بكلفة مليارات الدولارات بأنه «هدر رأسمالي».
وفي كل مرة، أثبتت الأسواق خطأهم. اليوم، نصل إلى نقطة فاصلة. لم يعُد من الممكن تفسير ما يحدث في أسواق المال باعتباره دورة اقتصادية عادية، أو موجة مضاربة عابرة. الأرقام، والاستثمارات، وتغيرات الإنتاجية، وحتى التحولات في السياسة النقدية، تشير إلى شيء أكبر بكثير: نحن في بداية دورة استثمارية كبرى جديدة، من النوع الذي لا يتكرر إلا مرة كل جيل.
التاريخ يعلّمنا أن الدورات الاستثمارية الكبرى لا تبدأ عندما تكون الأسواق رخيصة. بل تبدأ عندما يتغير المحرك الأساسي لنمو الاقتصاد، ويقضي المستثمرون سنوات يجادلون حول ما إذا كان هذا التغير حقيقياً، أو مجرد ضجيج إعلامي.
فالدورة الكبرى الأخيرة امتدت من 1982 إلى 2000. وكانت مدفوعة بثلاثة عوامل: انتشار الحاسب الشخصي، ثم ثورة الإنترنت، وأخيراً، انتصار السياسة النقدية المنضبطة على التضخم. قبلها، كانت هناك دورة كبرى من 1949 إلى 1966، قامت على إعادة بناء الصناعة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وتوسع شبكة الطرق السريعة، وانخفاض أسعار الطاقة.
الآن، لدينا محرك جديد: الذكاء الاصطناعي. لكنه ليس مجرّد أداة جديدة مثل الحاسب الشخصي. إنه بنية تحتية جديدة للإنتاج نفسه.الإنفاق الذي يعيد تشكيل الاقتصاد، والأرقام تتحدث بوضوح. فهناك شركات على رأسها «مايكروسوفت»، «ألفابت»، و«ميتا»، و«أمازون» سوف تستثمر مجتمعة أكثر من 300 مليار دولار في عام 2026 وحده لبناء مراكز بيانات، وشراء رقائق، وتطوير نماذج لغوية. هذا المبلغ يتجاوز، بعد تعديله للتضخم، ما أنفقته الولايات المتحدة بالكامل على بناء شبكة الطرق السريعة بين الولايات في خمسينيات القرن الماضي. والفرق الحاسم هنا أن هذا الإنفاق ليس تخمينياً. في فقاعة الدوت كوم عام 2000، كانت شركات الإنترنت تحرق النقد من دون نموذج ربح واضح. اليوم، شركات التكنولوجيا الكبرى تحقق أرباحاً قياسية، وتستثمر جزءاً منها في بناء حاجز تنافسي لا يمكن لأحد اللحاق به. لماذا؟ لأن الذكاء الاصطناعي لم يعُد ميزة إضافية. لقد أصبح شرطاً للبقاء.
كل شركة لا تستخدم الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف وتحسين المنتج ستخسر أمام منافس يفعل ذلك، في غضون سنوات قليلة. والإنتاجية تتحرك أخيراً منذ الأزمة المالية في 2008، عانى الاقتصاد الأمريكي من مشكلة مزمنة: نمو ضعيف في إنتاجية العمالة. لعقد كامل، لم تتجاوز الزيادة السنوية 1%. هذا يعني نمواً اقتصادياً بطيئاً، وأجوراً راكدة، وديوناً حكومية تتراكم. وفي الربع الأول من 2026، ارتفعت إنتاجية العمالة بنسبة 2.1% على أساس سنوي. هذا أعلى معدل نمو منذ عام 2010. والسبب واضح: الذكاء الاصطناعي يبدأ أخيراً بتحويل العمل المكتبي.
هناك شركات في قطاعات الخدمات المالية، والرعاية الصحية، والتجزئة، تبلغ عن انخفاض 30% إلى 40% في كُلَف العمليات الخلفية، بعد استخدام وكلاء ذكاء اصطناعي لأتمتة المهام المتكررة. هذا ليس تحسيناً هامشياً، بل إعادة هيكلة لنموذج الكلفة بالكامل.
إذا استمر هذا المعدل من نمو الإنتاجية لخمس سنوات، فإن الاقتصاد الأمريكي سيضيف نقطة مئوية كاملة إلى معدل نموه السنوي. وهذا وحده كافٍ لإعادة تسعير كل شيء في أسواق المال. الاحتياطي الفيدرالي يتوقف عن محاربة النمو
التحول الآخر المهم حدث في مايو 2026، عندما تولى كيفن وارش رئاسة الاحتياطي الفيدرالي خلفاً لجيروم باول. وارش جاء بتفويض واضح: استقرار الأسعار والنمو، من دون الانزلاق إلى استخدام السياسة النقدية كأداة لإعادة توزيع الدخل أو تحقيق أهداف اجتماعية.
ومع تباطؤ التضخم إلى 2.3% في مايو، ومع ظهور علامات على أن سوق العمل يتكيف مع تأثير الذكاء الاصطناعي بدلاً من الانهيار، أصبح لدى الاحتياطي الفيدرالي مساحة لوقف دورة التشديد النقدي. وقد ألمح وارش في أول اجتماع للجنة السوق المفتوحة في يونيو إلى أن الأولوية الآن هي «عدم خنق الابتكار». هذا تحول جذري.
في السنوات الثلاث الماضية، كان الاحتياطي الفيدرالي يرفع أسعار الفائدة لمحاربة التضخم الناتج عن ضغوط العرض. الآن، ومع بدء الذكاء الاصطناعي في تخفيض الكُلف من جانب العرض، يمكن للاحتياطي الفيدرالي أن يدعم النمو بدلاً من محاربته. والمخاوف مشروعة، لكنها ليست جديدة.
بالطبع، هناك مخاطر، التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران رفعت أسعار النفط إلى قرب 95 دولاراً للبرميل في يونيو، وهذا قد يبطئ النمو.
الخلاصة، نحن لا نعيش فقاعة. نحن نعيش بداية دورة استثمارية كبرى جديدة، مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، ومعززة بسياسة نقدية أكثر دعماً للنمو، ومؤكدة ببداية ارتفاع حقيقي في الإنتاجية. هذا لا يعني أن كل سهم في قطاع التكنولوجيا سوف يرتفع. لا شك في أن الدورات الكبرى تفرز الفائزين والخاسرين بوحشية.
* كاتب عمود مختص في متابعة الأسواق والاستثمارات (ريال كلير ويرلد)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة