الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التفاوض ليس هدفه السلام دائماً

7 يونيو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 7 يونيو 00:08 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يتابع العالم اليوم مسار التفاوض بين أمريكا وإيران، بنفس اللهفة التي تابع بها حرب الأربعين يوماً، وقبلها حرب الاثني عشر يوماً. كل يوم في الحربين حمل للمتابعين مفاجآت وأصابهم بصدمات، نتيجة المشاهد المرعبة للتفجير والتخريب والقتل والتدمير التي اجتاحت الشاشات والفضاء الإلكتروني خلالها، وتركت يقيناً عند مؤيدي ومعارضي كلا الطرفين، أن غرور السلطة وتوحش القوة، هما أكبر مهدد للكوكب وللبقاء الإنساني.
ومن يتابع اليوم مسار التفاوض الذي انطلق قبل شهرين يجد في مفاجآته وصدماته، ما لا يختلف عن مفاجآت وصدمات الحرب، وبدلاً من أن يعيد بناء جدار الثقة المتهدم بين الطرفين، يزيده تهدماً بتصريحات الطرفين التي تسودها لغة التهديد والوعيد، والتي تزداد حدة بمرور الوقت، وبعد أن كانت قد بدأت في ظل حصار بحري أمريكي لإيران، وتحكم إيراني مرفوض وغير مسبوق دولياً في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، فقد تطور الأمر خلال الفترة الماضية، ووصل إلى عودة القصف المتقطع.
التفاوض ليس دائماً بحث عن سلام مثل الحالة الإيرانية ــ الأمريكية، ولا هو هدنة من الحرب مثل الحالة الروسية ـــ الأوكرانية والممتدة المفاوضات بشأنها على مدار أربع سنوات من القصف المتبادل، من دون أن تسفر عن جديد، سوى تبادل أسرى وحلول لبعض القضايا الإنسانية، واتفاق بشأن سلاسل الإمداد.
أيضاً هناك المفاوضات اللبنانية ــ الاسرائيلية التي انطلقت في واشنطن برعاية أمريكية من دون أن تقيد ضربات إسرائيل على لبنان، الخارقة لاتفاقيات الهدنة ولمفاوضات ومساعي السلام، من دون إرادة حقيقية ولا نوايا مخلصة، فإسرائيل تريد سلاماً مع لبنان مجرداً من السيادة، ولبنان يريد سلاماً يلجم الجموح العدواني الإسرائيلي، الذي تجاوز كل الأعراف والقوانين، ووصل إلى حد التهديد باجتياح بيروت.
ورغم كشف وسائل إعلام إسرائيلية، بأن التهديد بقصف بيروت ومكالمة ترامب تمثيلية متفق عليها، إلا أنها لا تنفي أن كل خيوط التحكم في مصير المنطقة مازالت في يد الولايات المتحدة، وأنها الأقدر على التواصل مع الحلفاء والأعداء في المنطقة، وصاحبة الكلمة المسموعة عند الجميع. الغضب الإسرائيلي من منع ترامب لنتنياهو من قصف بيروت، يؤكد أن أطماع إسرائيل في السيطرة على المقدرات اللبنانية لن يحد منها لا تفاوض ولا اتفاقات أمنية، ولا حتى اتفاق سلام.
التفاوض بشأن الحروب الثلاث سالفة الذكر هو تفاوض بالإجبار، تفاوض لإدارة صراعات قائمة وليس حلها، ولكل طرف أهدافه من هذا التفاوض، أمريكا تريد كسب الوقت وإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية قبل الانتخابات النصفية، ولا تقبل بالخروج من هذه الأزمة سوى باتفاق يفوق في مكاسبه، اتفاق أوباما بشأن النووي الإيراني الذي تم توقيعه عام 2015 ، ليلغيه ترامب خلال فترته الأولى 2018 وانتقده مئات المرات واصفاً إياه دوماً بالأسوأ، وهو ما يفرض عليه أمام الأمريكيين أن يأتي لهم بالأحسن، وإلا فإن خسارته والحزب الجمهوري كبيرة.
الكل يتفاوض، أمريكا وإيران وروسيا وأوكرانيا ولبنان وإسرائيل، ولكن السؤال هو مَنْ بين هؤلاء يتفاوض بحسن نوايا، ومَنْ منهم يريد سلاماً وأماناً، ومَنْ يضيع الوقت ولا يقبل سوى جني مكاسب، من دون تقديم تنازلات، وهو يعلم أن التفاوض من دون تقديم تنازلات لن يصل إلى نتيجة؟.
هم ونحن والعالم، ندرك أن العداء بين الأطراف المتفاوضة في الحالات الثلاث لن ينهيه الوصول إلى توقيع اتفاق، وأن هذه الدول شعوباً وحكومات، لن تتحول إلى أصدقاء بتوقيع حكوماتهم على اتفاقيات، وأن الاتفاق بينهم لن يكون اتفاق سلام بقدر كونه اتفاقاً أمنياً عسكرياً يلزم كل طرف فيه بما عليه، حتى يتوقف الدمار والخراب والقتل، وأنها حال توقيعها ستكون اتفاقيات هشة.
التفاوض ليس هدفه دوماً تحقيق السلام ولا القضاء على الصراع، بل وأحياناً لا يهدف إلى منع عودة الحرب، إنما قد يهدف فقط إلى منع توسيع الصراع، أو منع الأمور من الخروج عن السيطرة، أو يكون نتيجة نقص في الأسلحة والعتاد، وعدم رغبة في الانكشاف أمام الآخر، وقد يكون استجابة لضغوط اقتصادية، أو رضوخاً لإرادة الرأي العام.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة