في وقت تتزايد فيه معدلات البحث عن حلول سريعة للأمراض المزمنة وفقدان الوزن وتحسين الصحة، تشهد مصر موجة متصاعدة من الظواهر الصحية، التي انتقلت من صفحات التواصل الاجتماعي إلى واقع يهدد السلامة ويثير قلق الجهات الرقابية والطبية.
وبين مطاعم تروج لوجبات تزعم الوقاية من الأمراض تحت شعار «نظام الطيبات»، وأشخاص ينتحلون صفة أطباء وخبراء تغذية ويقدمون وصفات علاجية دون مؤهلات أو تراخيص، وجدت الحكومة نفسها في مواجهة ما يعرف بـ«الوهم الطبي الرقمي»، الذي يستمد قوته من ملايين المشاهدات.
«الطيبات».. من نظام غذائي مثير للجدل إلى نشاط تجاري
بدأت القصة مع الانتشار الواسع لما يعرف بـ«نظام الطيبات» الذي ارتبط باسم الطبيب الراحل ضياء العوضي، وأثار خلال الشهور الأخيرة نقاشاً واسعاً بين مؤيدين يرون فيه أسلوباً لتحسين الصحة، ومعارضين يشككون في صحة الادعاءات المنسوبة إليه.
لكن الجدل لم يتوقف عند حدود النقاش الطبي، إذ تحولت الفكرة إلى نشاط تجاري بعدما بدأت مطاعم ومنشآت غذائية استغلال النظام في الترويج لوجبات ومنتجات تحمل وعوداً علاجية جذابة، مما دفع نواباً في البرلمان المصري إلى المطالبة بتدخل عاجل للتحقق من مدى قانونية تلك الممارسات.
البرلمان يواجه «مطاعم الوهم الصحي»
تقدم أعضاء بمجلس النواب بطلبات إحاطة للحكومة بشأن الحملات الدعائية المكثفة التي تنفذها بعض المطاعم تحت شعار «الطيبات».
وحذر النواب من أن بعض هذه المنشآت تستخدم رسائل تسويقية توحي بقدرتها على الوقاية من الأمراض دون وجود أدلة علمية واضحة أو موافقات رسمية تدعم تلك الادعاءات.
كما طالبوا الجهات المختصة بمراجعة التراخيص والتأكد من خضوع هذه المنشآت للرقابة الصحية الدورية، مع اتخاذ إجراءات قانونية ضد أي جهة تستغل مخاوف المرضى لتحقيق أرباح تجارية.
الأطباء يحذرون: الغذاء ليس بديلاً للعلاج
من جانبها، أكدت نقابة الأطباء أن الغذاء الصحي يمثل جزءاً مهماً من الوقاية والحفاظ على الصحة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لعلاج الأمراض المزمنة أو المستعصية دون أدلة علمية معتمدة.
وحذر متخصصون من أن بعض الحملات الدعائية تمنح المرضى أملاً زائفاً في الشفاء، وقد تدفعهم إلى إهمال العلاج الطبي المعتمد أو تأخير الحصول على الرعاية الصحية المناسبة.
العلاج بطيبات ضياء العوضي والأطباء الوهميين
وبينما كانت السلطات تتابع الجدل المثار حول الأنظمة الغذائية المثيرة للجدل، كشفت وقائع أخرى عن جانب أكثر خطورة، تمثل في ظهور أشخاص يقدمون أنفسهم كأطباء وخبراء صحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي رغم عدم امتلاكهم أي مؤهلات أو تراخيص رسمية.
وأعلنت وزارة الصحة مؤخراً إغلاق وتشميع عدد من المراكز الطبية، بعدما تبين أن القائمين عليها يمارسون أنشطة بصورة غير قانونية.
وجاءت الواقعة بعد أيام من كشفت التحقيقات عن شخص نجح لسنوات في الظهور بمظهر جراح قلب وأستاذ جامعي، مستفيداً من الشهرة الرقمية والثقة التي منحها له المتابعون عبر الإنترنت، بينما هو محامٍ.
«مسحنا القولون».. كيف تُصنع المصداقية الزائفة؟
مع انتشار مقاطع الفيديو التي تتحدث عن «تنظيف الأمعاء» و«مسح القولون» لعلاج نزيف الرحم والتي كانت بطلتها خريجة حقوق تزعم أنها أخصائية تغذية، أصبح من السهل على بعض الأشخاص بناء شهرة واسعة وتحويلها إلى مصدر دخل من خلال الاستشارات والبرامج الغذائية والمنتجات الصحية.
وأكَّد أطباء أن كثيراً من هذه النصائح لا تستند إلى أسس علمية راسخة، بل تعتمد على تجارب فردية أو معلومات مجتزَأة يتم تقديمها للجمهور في صورة حقائق طبية مؤكدة.
روشتات جاهزة.. والخطر على المرضى
الأخطر من ذلك، بحسب متخصصين، أن بعض منتحلي صفة الأطباء لا يكتفون بتقديم النصائح العامة، بل يصل الأمر إلى وصف أدوية وبرامج علاجية للمرضى اعتماداً على معلومات أو نماذج جاهزة متاحة عبر الإنترنت.
ويحذَّر الأطباء من أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى مضاعفات خطرة، خاصة لدى مرضى القلب والسكري والضغط والأمراض المزمنة الأخرى التي تحتاج إلى تشخيص دقيق ومتابعة مستمرة.
الحكومة المصرية تتحرك لمواجهة الظاهرة
في مواجهة هذه الموجة، كثفت وزارة الصحة وهيئة سلامة الغذاء ونقابة الأطباء والجهات الرقابية حملاتها لمراجعة التراخيص وإغلاق المنشآت المخالفة وملاحقة منتحلي الصفة.
كما تتزايد الدعوات إلى تشديد الرقابة على الإعلانات الصحية المنشورة عبر الإنترنت، وإلزام صناع المحتوى بالإفصاح عن مؤهلاتهم العلمية ومنع الترويج لأي ادعاءات علاجية غير مثبتة.
الوعي.. خط الدفاع الأول
ورغم أهمية الإجراءات الرقابية والقانونية، أكد متخصصون أن رفع الوعي الصحي يظل السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة ترندات الوهم الطبي.
فلا نظام غذائياً سحرياً يعالج جميع الأمراض، ولا شهرة على مواقع التواصل تمنح صاحبها صفة الطبيب أو الخبير، بينما تبقى المصادر الطبية الموثوقة واستشارة المختصين هي الطريق الأكثر أماناً لاتخاذ القرارات المتعلقة بالصحة والعلاج.