الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بدائل يوفرها بحر قزوين في الحرب الإيرانية

11 يونيو 2026 22:36 مساء | آخر تحديث: 11 يونيو 22:38 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
منذ اندلاع الحرب الإيرانية، انصبّ اهتمام العالم على الخليج العربي، وتحديداً مضيق هرمز، الذي يمر عبره في الظروف العادية ما يقارب 25% من نفط العالم، و20% من غازه الطبيعي. وقد أدت الحرب والحصار إلى شلّ حركة الملاحة البحرية، وتفاقم أزمة الطاقة العالمية. ومع ذلك، فإن الخليج ومضيقه ليسا المسطحين المائيين الوحيدين اللذين عرّضتهما الحرب للخطر. فمن جهتها الشمالية، تُطلّ إيران على بحر قزوين، أكبر مسطح مائي داخلي في العالم. وعلى طول سواحله تقع قوى إقليمية كبرى مثل روسيا، ودول مهمة، مثل أذربيجان وكازاخستان. ولطالما شكّلت التجارة البحرية وخطوط أنابيب النفط شرياناً حيوياً يربط بين أوروبا وآسيا عبر بحر قزوين، ما جعله مركزاً تجارياً هاماً.
وباعتباره حوضاً غنياً بالطاقة يقع عند ملتقى ثلاث مناطق متوترة - الشرق الأوسط، وشرق أوروبا، وآسيا الوسطى - فقد شهد بحر قزوين وصول الصراعات إلى سواحله. وقد أدى القصف الأمريكي والإسرائيلي لطهران إلى تكثيف النشاط العسكري بالقرب من المجال الجوي لبحر قزوين، على بُعد 67 ميلاً فقط. كما استهدفت الغارات الجوية موانئ إيرانية على طول بحر قزوين. ففي 19 مارس، شنت القوات الإسرائيلية غارات على بندر أنزلي، وهي مدينة ساحلية وميناء رئيسي على بحر قزوين للبحرية الإيرانية التقليدية، ما أدى إلى تدمير جزء كبير من الأسطول الإيراني في بحر قزوين. وفي 1 إبريل، استهدفت سلسلة أخرى من الغارات الجوية البنية التحتية لميناء بندر أنزلي.
يُعدّ ميناء بندر أنزلي أكبر ميناء على بحر قزوين، وممراً رئيسياً للتجارة بين إيران وآسيا الوسطى. في الظروف العادية، كان 90% من التجارة الإيرانية يمر عبر الخليج العربي. إلا أن الحرب أدت إلى إغلاق 95% من حركة الملاحة البحرية الإيرانية. ولضمان وصول البضائع الإيرانية إلى الأسواق، باتت روابط النقل غير العربية وغير الخليجية - كالممر عبر بحر قزوين - ضرورية للتجارة العالمية. وقد أثر الهجوم على بندر أنزلي سلباً في الطرق البديلة لإيران.
ولعل أبرز القطاعات التجارية المتأثرة هي تلك التي تربط إيران بروسيا. وتعود العلاقات عبر بحر قزوين إلى ما قبل الحرب، لكنها شهدت نمواً ملحوظاً منذ ذلك الحين. وعلى الرغم من أن حجم التجارة الثنائية كان متواضعاً عند 4.8 مليار دولار أمريكي في عام 2024، إلا أنه نما بنسبة 16% خلال العام الماضي، مدفوعاً بالآلات والسلع الصناعية الروسية التي تحتاجها إيران بسبب العقوبات الغربية. وتشير التقديرات إلى أن حجم التجارة بين روسيا وإيران سيتجاوز 10 ملايين طن بحلول عام 2026.
وقد تعهدت روسيا بدعم إيران خلال الحرب الدائرة. وشمل هذا الدعم بشكل أساسي شحن طائرات مسيّرة هجومية من طراز شاهد، والتي استخدمتها طهران بفعالية، كصواريخ لمهاجمة إسرائيل والدول العربية والمنشآت العسكرية الأمريكية. كانت الطائرات المسيّرة سلاح إيران الأكثر فعالية في الحرب.
تصنع روسيا هذه الطائرات في شمال البلاد في مدينة ييلابوغا، ثم تنقلها بحراً من ميناء أستراخان على نهر الفولغا إلى إيران، حيث ترسو السفن في ميناء بندر أنزلي. ويُسهّل استخدام السفن غير المسجلة وقوائم الشحن المزورة، المعروفة باسم «الأسطول الخفي»، عبور هذه الأسلحة بحر قزوين للوصول إلى القوات الإيرانية، التي تنقل أيضاً أسلحة وذخائر أخرى. وجّهت الهجمات على بندر أنزلي رسالة إلى روسيا تدعوها إلى وقف دعم إيران. مع ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت موسكو قد استوعبت هذه الرسالة.
وتُعدّ أذربيجان القوة الرئيسية الأخرى في بحر قزوين، ولها حدود برية مع إيران تمتدّ على مسافة 400 ميل. وتُمثّل إيران بالنسبة لأذربيجان الطريق البري الوحيد إلى جيبها نخجوان المُحاصر، والذي تفصله أرمينيا عن البر الرئيسي.
أصبحت هذه المنطقة المعزولة بؤرة توتر خلال الحرب الدائرة عندما قصفت طائرات إيرانية مسيرة مطاراً ومدرسة في نخجوان. وردّت أذربيجان بسحب دبلوماسييها من إيران وإعداد إجراءات انتقامية. كما وجّه الرئيس إلهام علييف عبارات دبلوماسية إلى الأذربيجانيين في إيران، ما أثار قضية حساسة بالنسبة لطهران التي تخشى من نزعة أذربيجانية انتقامية، وفقدان أراضٍ. ونفت إيران تورطها في الحادث، وسرعان ما استأنف البلدان علاقاتهما الطبيعية.
رسمياً، تلتزم أذربيجان الحياد في الحرب، وترفض السماح لأي من الطرفين باستخدام أراضيها في عمليات عسكرية. مع ذلك، كانت الأراضي الأذربيجانية أساسية لاستيعاب النازحين الفارين من العنف. أما بالنسبة لأذربيجان، فقد مكّنها موقعها على بحر قزوين من جني مكاسب مالية كبيرة خلال الحرب، بصفتها منتجة للنفط وممراً تجارياً هاماً. وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يدرّ على البلاد 200 مليون دولار إضافية من الإيرادات، في حين زادت التجارة عبر بحر قزوين بنسبة 500%. وسوف يستفيد ميناء باكو، أكبر موانئ أذربيجان، كثيرا باعتباره مركزاً لوجستياً، من الرسوم الجمركية ورسوم العبور، حيث سيتجاوز حجم التجارة إيران عبر القوقاز، في طريقه إلى أسواق أخرى كأوروبا.
في الواقع، قد يكون ميناء باكو هو السبيل الآمن الوحيد للتجارة العامة للوصول إلى إيران، إذ تتعرض موانئها الشمالية، مثل بندر أنزلي، للاستهداف الإسرائيلي، وتستمر إيران وأذربيجان في التبادل التجاري عبر حدودهما البرية.
*صحفي وكاتب عمود هندي يقيم في واشنطن (ذي ناشونال انتريست)

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة