لم يعد التنافس الحقيقي يدور حول مدى الحماس للعملات المشفرة، بل حول أنظمة الدفع، وتمويل التجارة، وهيكلية السيولة عبر الحدود.
ولا يزال التفسير الأكثر شيوعًا للعملات المستقرة خاطئًا. فهي لا تكتسب أهميتها لأن العملات المشفرة قد حظيت أخيراً بالقبول السياسي، بل لأن السلطات القضائية الرئيسية بدأت بإدراجها ضمن الهيكل المالي الرسمي.
ففي الولايات المتحدة وأوروبا، طُبقت أحكام العملات المستقرة في أسواق الأصول المشفرة منذ 30 يونيو/ حزيران 2024.
وفي هونغ كونغ، كانت الخطوة الحاسمة في 10 إبريل 2026، عندما منحت سلطة النقد في الجزيرة أول تراخيص إصدار العملات المستقرة لشركتَي «أنكور بوينت فاينانشال» ومجموعة «إتش إس بي سي» المصرفية. وفي تلك اللحظة، تجاوز النقاش مرحلة البيئات التجريبية، وخطابات المؤتمرات، وإشارات السوق، ودخل صلب القطاع المالي الخاضع للتنظيم. لهذا السبب تكتسب هونغ كونغ أهمية بالغة اليوم. ليس الهدف من ذلك خلق قصة جديدة في عالم تداول العملات الرقمية، بل تحديد مكانة العملات المستقرة ضمن نظام مالي حقيقي. دخل نظام المدينة حيز التنفيذ في 1 أغسطس/ آب 2025. وكانت الجولة الأولى من منح التراخيص محدودة النطاق عمداً. فمن بين 36 طلباً، لم يُعتمد سوى طلبين.
أحد هذين الطلبين، وهو الطلب المقدم من شركة «أنكور بوينت»، ليس مجرّد أداة هامشية للأصول الرقمية، بل مشروع مشترك بين بنك ستاندرد تشارترد (هونغ كونغ) المحدود، وشركة هونغ كونغ للاتصالات، وشركة «أنيموكا براندز» المتخصصة في تقنيات الويب. أما الطلب الآخر فهو من مجموعة «إتش إس بي سي».
وكانت الإشارة واضحة لا لبس فيها، فالمرحلة الأولى ستكون من نصيب المؤسسات التي تمتلك ميزانيات عمومية، وشبكة توزيع، وقدرة على الامتثال، ومصداقية تنظيمية، وليس الجهات المصدرة التي تسعى إلى تجاوز الرقابة.
هنا يكمن اختلاف هونغ كونغ عن النموذجين، الأمريكي والأوروبي. فالنهج الأمريكي يتمحور في جوهره حول توسيع نفوذ الدولار الأمريكي ليشمل طبقة المدفوعات الرقمية من خلال إطار عمل فيدرالي للجهات المصدرة الخاصة. أما النهج الأوروبي فيتمحور حول وضع القواعد أولاً، ثم إجبار السوق على النمو ضمنها.
لذا يعتبر نهج هونغ كونغ أكثر تركيزاً واستراتيجية. فهي لا تسعى لإثبات انفتاحها الأيديولوجي على العملات المشفرة، بل تسعى لبناء واجهة خاضعة للإشراف، تضمن الوصول إلى السيولة المرتبطة بالدولار عبر النظام النقدي المحلي، مع الحفاظ على قابليتها للاستخدام في الأصول المرتبطة بالصين، والتدفقات التجارية عبر الحدود. ويُعدّ نظام سعر الصرف المرتبط بالعملات المشفرة في المدينة عاملاً مهماً هنا. فالعملة المستقرة المقومة بدولار هونغ كونغ لا تعمل بمعزل عن نطاق الدولار الأوسع، بل تعمل على هامشه. ولهذا السبب أيضاً، لم يكن التطور الأهم في هونغ كونغ في مارس مجرّد شائعة ترخيص، بل كان مذكرة التفاهم الموقعة في 2 مارس بين سلطة النقد في هونغ كونغ، ومكتب بيانات شنغهاي، والمركز الوطني للابتكار التكنولوجي لتقنية البلوك تشين.
*خبير عملات رقمية ورئيس مجلس إدارة شركة «هابسبورغ» (آسيا تايمز)
