تكمن جاذبية كرة القدم في عالميتها، فهي بسيطة ومتاحة للجميع على عكس معظم الرياضات الجماعية، وبينما يُوصف المونديال بأنه «أعظم عرض على وجه الأرض»، فإن هذا التعبير لا يكفي نسخة 2026، الأضخم في تاريخ البطولة الممتد ل96 عاماً، حيث ستجري في ثلاث دول هي أمريكا والمكسيك وكندا، بمشاركة 48 فريقاً و104 مباريات موزعة على 16 مدينة، على مدى نحو 40 يوماً، لأول مرة في التاريخ، ما يجعلها أعظم عرض شهده الإنسان على الإطلاق، وينثر سحره عبر أربعة أنحاء الكرة الأرضية.
إثارة المفاجآت
تشتهر بطولة كأس العالم بالمفاجآت، حيث تكمن الإثارة في النتائج المدوية غير المتوقعة، التي تثير حماسة الجماهير، فمن فوز المنتخب الأمريكي، المؤلف من لاعبين هواة، على إنجلترا في عام 1950، إلى انتصارات تاريخية لكوريا الشمالية على إيطاليا عام 1966، والجزائر على ألمانيا الغربية عام 1982، والكاميرون على الأرجنتين عام 1990، والسنغال على فرنسا عام 2002، وكوستاريكا على إيطاليا عام 2014، وكوريا الجنوبية على ألمانيا عام 2018، والسعودية على الأرجنتين عام 2022، شهدت البطولة العديد من المفاجآت على مر السنين، وفي عام 2022، أقصى المغرب إسبانيا والبرتغال، ليصبح أول منتخب إفريقي يصل إلى الدور نصف النهائي.
وفي البطولات السابقة، بدا أن بعض الفرق وجماهيرها يكتفون بالاستمتاع بالتجربة دون أمل يُذكر في تجاوز دور المجموعات، لكن ربما يتغير هذا الوضع مع توسيع البطولة لتشمل 48 فريقاً، حيث ستتأهل 8 فرق من أصل 12 فريقاً ستحتل المركز الثالث إلى الأدوار الإقصائية، لدرجة أن التوقعات منحت منتخب كوروساو فرصة بنسبة 22% للتأهل من المجموعة الخامسة، حيث يواجه منتخبات ألمانيا وساحل العاج والإكوادور.
غرائب الأدوار الإقصائية
في الأدوار الإقصائية، تشتد المنافسة ويصبح الضغط كبيراً على المنتخبات، ومن بين الغرائب أن المنتخب الإسباني، بطل أوروبا، لم يذق طعم الفوز في مباراة إقصائية بكأس العالم منذ تتويجه باللقب عام 2010 في جنوب إفريقيا، فقد خرج من دور المجموعات عام 2014، وخسر بركلات الترجيح أمام روسيا عام 2018 والمغرب عام 2022.
ومن بين أبرز التفاصيل اللافتة أن كريستيانو رونالدو قائد البرتغال، والهداف التاريخي لكرة القدم للرجال، برصيد 830 هدفاً مع الأندية و143 هدفاً مع منتخب بلاده، لم يسجل قط في مباراة إقصائية بكأس العالم، فيما تتجه الأنظار إلى بطولته الأخيرة على أمل كسر هذا الرقم السلبي.
البطولات الفردية.. ووداع جيل أسطوري
بقدر ما تُمثل بطولة كأس العالم صراعاً بين الفرق لصنع التاريخ، فهي أيضا بطولة فردية للبعض، فبالرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققها بيليه ودييغو مارادونا في مسيرتهما الكروية اللامعة مع الأندية، إلا أن تألقهما في كأس العالم، مع البرازيل والأرجنتين على التوالي، هو ما رسّخ أسطورتهما. وحتى في القرن الحادي والعشرين، فإن الفوز بكأس العالم مع الأرجنتين عام 2022 مثّل ذروة مسيرة ليونيل ميسي، والتي توجت مسيرته الكروية الأسطورية وهو في سن الخامسة والثلاثين.
ويُسلّط مونديال 2026 الضوء على جيل من اللاعبين الأسطوريين الذين سيخوضون بلا شك آخر مبارياتهم على الساحة العالمية. وسيبلغ ميسي التاسعة والثلاثين من عمره خلال دور المجموعات، بينما سيبلغ حارس مرمى ألمانيا مانويل نوير وقائد كرواتيا لوكا مودريتش الأربعين. وبينما بدا أن رونالدو قد أنهى مشواره الدولي بعد مشاركته المخيبة للآمال في كأس العالم الماضية بقطر، ثم في بطولة أوروبا قبل عامين، لكنه حالياً في الحادية والأربعين من عمره، يتوق للعودة إلى الملاعب.
وبالنسبة لثيبو كورتوا، وفيرجيل فان دايك، وكيفن دي بروين، وهاري كين، وساديو ماني، وسون هيونغ مين، ومحمد صلاح، وخاميس رودريغيز، وربما قبل كل شيء بالنسبة لنيمار، الذي استدعاه المنتخب البرازيلي في سن الرابعة والثلاثين، قد تكون هذه الفرصة الأخيرة للمشاركة في كأس العالم.
مبابي وهالاند.. والفرصة الذهبية
ويرى المحللون أنه بالنسبة لإيرلينغ هالاند البالغ 25 عاماً فقط، والذي ساعد النرويج في بلوغ كأس العالم للمرة الأولى منذ عام 1998، فهذه فرصته التي يجب اغتنامها، خاصة أنه يشارك وهو في عمر التألق.
أما بالنسبة لمبابي فطوال حياته، كان يُنظر إليه على أنه اللاعب الرائد في حقبة ما بعد ميسي ورونالدو، حيث فاز بكأس العالم في سن التاسعة عشرة، وسجل ثلاثية في المباراة النهائية في سن الثالثة والعشرين، لكن منتخب فرنسا خسر بركلات الترجيح أمام الأرجنتين بقيادة ميسي. وحالياً وهو في سن السابعة والعشرين، نظرياً في أوج عطائه، لكنه يدخل كأس العالم للمرة الثالثة ولديه دافع قوي لإثبات جدارته، بعد انتقاله إلى ريال مدريد عقب حقبة ذهبية في ناديه السابق باريس سان جيرمان.
وبالنسبة للبرتغالي فيتينيا (26 عاماً)، والبرازيلي فينيسيوس جونيور، والفرنسي مايكل أوليس (24 عاماً)، قد لا تكون هناك فرصة أفضل من هذه لاغتنامها، وربما يصبح أوليس نجماً عالمياً بعد موسم استثنائي.
يامال والجيل الجديد
ثمّة جيل جديد يقوده لامين يامال، الذي تألق في فوز إسبانيا على إنجلترا في نهائي يورو 2024 قبل يوم من بلوغه السابعة عشرة. وفي الثامنة عشرة من عمره، يُعتبر أحد أبرز المواهب الكروية، لكن هذه هي مشاركته الأولى في كأس العالم. أما بالنسبة لآخرين مثل المكسيكي جيلبرتو مورا، والتركي كنان يلدز، والجزائري إبراهيم مازا، والإيفواري يان ديوماندي، والإكوادوري كيندري بايز، والأرجنتيني نيكو باز، والثنائي البرازيلي إندريك وريان، على سبيل المثال لا الحصر، فإن هذه البطولة تُمثل فرصةً لإثبات أنفسهم للعالم.