في نهاية عمليتي الطرح على الاكتتاب العام الأولي لكل من شركتي «أنثروبك» و«أوبن إيه أي»، سوف يجد المستثمرون أنفسهم غارقين في الإشارات إلى مصطلح لا يزال غير مألوف للكثيرين في وول ستريت: إنه مصطلح الكوبونات أو «الرموز الرقمية».
إنها العملة الجديدة في عالم الذكاء الاصطناعي. وهي الطريقة التي تتقاضى بها الشركات الكبرى أجورها، ويعمل بها المطورون الآن، باستخدام الرموز الرقمية لبناء التطبيقات. لكن تحويل الرموز الرقمية إلى دولارات - العملة التي يفهمها المستثمرون - أمر معقد، وسيتعين على المستثمرين الإلمام بهذا الأمر بسرعة.
في اقتصاد الذكاء الاصطناعي التوليدي الناشئ، تُعتبر الرموز الرقمية التي تقيس استخدام الحوسبة، أهم عملة متداولة. يقول جيل لوريا، محلل التكنولوجيا في شركة «دي. إيه. ديفيدسون»: «إنها عملية مستمرة بالنسبة لنا جميعًا في خوض غمار هذا المجال الجديد». ويغطي لوريا شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وألفابت التي ركزت على العملات الرقمية في تصريحاتها خلال مكالمات الأرباح في العام الماضي.
وقد أعلنت شركة «أوبن إيه آي» قبل أيام أنها قدمت نشرة الاكتتاب الخاصة بها إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية بشكل سري، وذلك بعد أسبوع من قيام شركة «أنثروبيك» بالخطوة نفسها، إلى جانب الاكتتاب العام الأولي لشركة «سبيس إكس». قد تكون هذه أكبر عمليات الطرح في التاريخ، ما يجعل فهم العملات الرقمية أمرًا بالغ الأهمية. وكما أدى ظهور الحوسبة السحابية قبل أكثر من عقدين من الزمن إلى التحول من تراخيص البرامج إلى نموذج أعمال جديد قائم على الاشتراكات، فإن عصر الذكاء الاصطناعي يُغير جذريًا طريقة تسديد الشركات التزاماتها واستلامها ما لها، مقابل ما أصبح سريعًا تقنية بالغة الأهمية.
في كل مرة يقوم فيها مستخدم «تشات جي بي تي» أو «كلاودي» أو أي خدمة ذكاء اصطناعي أخرى بإنشاء جدول بيانات، أو توليد صورة، أو برمجة تطبيق باستخدام أوامر نصية، فإنه يحتاج إلى عدد معين من الرموز لإتمام المهمة. الرمز الواحد يعادل تقريبًا ثلاثة أرباع كلمة.
يبيع مطورو النماذج اشتراكات تتضمن حصصًا من الرموز، ويوفرون للمستخدمين إمكانية الوصول إلى واجهات برمجة التطبيقات (APIs) الخاصة بهم، التي تتضمن محاسبة العملاء بناءً على استخدام الرموز.
تتيح شركة «أوبن إيه أي» استخدامًا مجانيًا لبعض نماذج البرمجة من خلال تطبيق «كوديكس» الخاص بها، الذي يمكنه التعامل مع مهام أكثر تعقيدًا، بينما تقدم «أنتروبك» و«كلاود كود» أداة للمشتركين لقاء اشتراك أو رسوم مالية. تبيع الشركتان اشتراكات فردية تصل تكلفتها إلى 200 دولار أمريكي شهريًا لكل مستخدم. عندما يستنفد المستخدمون حصتهم من الرموز، يمكنهم دفع المزيد للحصول على رموز إضافية.
وتُعلن كل منهما عن أسعار النماذج على مواقعها الإلكترونية. تفرض الأولى رسومًا قدرها 5 دولارات مقابل مليون رمز من المدخلات (استفسار المستخدم) لنموذجها الأقوى، GPT-5.5، و30 دولارًا مقابل مليون رمز من المخرجات (استجابة النموذج). وتُقدم الثانية أسعارًا مماثلة لنموذجها Claude Opus 4.8، مع رسوم قدرها 25 دولارًا مقابل مليون رمز من المخرجات.
إنها معادلة معقدة للمبتدئين. ولحسن حظ خبراء وول ستريت الراغبين في فهم الاقتصاد الرقمي الجديد، نشرت شركة سيبراس لصناعة الرقائق الإلكترونية وشركة «سبيس إكس» تعليقات مُفصّلة حول الرموز في ملفات طرحهما الأولي للاكتتاب العام. وقد ورد ذكر الرموز في نشرة اكتتاب سيبراس 23 مرة وفي ملف سبيس إكس 62 مرة.
وفي تعريفها للمصطلح، أوضحت سبيس إكس أن الرمز «يشير إلى الوحدات الأساسية للنصوص أو الصور التي يُعالجها ويُنتجها نموذج الذكاء الاصطناعي، ويُستخدم لقياس أداء الذكاء الاصطناعي».
الرمز المميز
وفي جزء لاحق من الملف، قالت الشركة إن الرمز المميز «يمثل الوحدة الأساسية للبيانات التي تستهلكها وتنتجها نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، على سبيل المثال الكلمات أو الصور أو الصوت أو غيرها من الوسائط. وهو بمثابة الوحدة الذرية التي تقرأ النماذج من خلالها وتستنتج وتولد المخرجات».
مؤشرات مفيدة حول المستقبل
على الرغم من أن شركة سبيس إكس تُجري بعض النقاش حول الرموز الرقمية، إلا أنها لا تُشكل أهمية كبيرة للبيانات المالية للشركة. فقد جاء ما يقارب 70% من إيرادات سبيس إكس في الربع الأول من أعمالها في مجال الإنترنت عبر الأقمار الصناعية ستارلينك، بينما ساهم قسم الفضاء في الشركة بنسبة 13% أخرى. وشكّل الذكاء الاصطناعي النسبة المتبقية البالغة 17% من الإيرادات، على الرغم من أن هذا القسم يُعاني من خسائر مالية ويُشكّل الجزء الأكبر من إجمالي النفقات الرأسمالية.
يُعتبر قسم الذكاء الاصطناعي في سبيس إكس لاعبًا متخصصًا في سوق تُهيمن عليه شركات مثل أوبن إيه آي، وأنثروبيك، وجوجل.
ولا يُعدّ كل من «غروك 4.3» أو غروك بيلد 0.1 من بين النماذج الأكثر استخدامًا على منصة أوبن راوتر، وهي شركة ناشئة تُتيح للمطورين الوصول إلى مئات النماذج.
ونظرًا لمكانة جوجل في السوق، تُصبح الرموز الرقمية مؤشرًا متزايد الأهمية بالنسبة لشركة البحث حيث يستخدمها المستهلكون وموظفو الشركات في منتجات «جيميناي»، ويستخدمها المطورون عبر البنية التحتية السحابية لشركة جوجل، التي تنافس خدمات أمازون السحابية (AWS) ومايكروسوفت (Azure).
خلال مكالمة الأرباح الفصلية للشركة في إبريل، صرّح الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي بأن «نماذج جوجل تعالج الآن أكثر من 16 مليار رمز مميز في الدقيقة عبر استخدام واجهة برمجة التطبيقات (API) مباشرةً من قِبل عملائنا، مقارنةً بـ 10 مليارات في الربع السابق». وأضاف بيتشاي أنه خلال العام الماضي، عالج 330 عميلًا سحابيًا أكثر من تريليون رمز مميز، بينما وصل 35 عميلًا إلى عتبة 10 تريليونات رمز مميز.
وقال سكوت بريتينوثر، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «كيلو كود Kilo Code» الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، إن ما ينقص النقاش الدائر حول الرموز المميزة هو نوع العائد على الاستثمار الذي تحققه الشركات من استخدامها.
وأضاف: «يُعدّ حجم الرموز المميزة مؤشرًا مفيدًا، لكن الشركات تهتم في نهاية المطاف بالتأثير والعائد على الاستثمار».
نمو متسارع
لا تربط جوجل استخدام الرموز الرقمية بالإيرادات بشكل مباشر، لكن أعمال الشركة السحابية تشهد نموًا متسارعًا. فقد ارتفعت إيرادات هذه الوحدة بنسبة 63% في الربع الأول مقارنةً بالعام السابق لتصل إلى 20 مليار دولار، متسارعةً من نمو بنسبة 28% في الربع نفسه من عام 2025. وفي الوقت نفسه، تضاعف الدخل التشغيلي إلى أكثر من الضعف ليصل إلى 6.6 مليار دولار.
تُعد هذه النتائج مؤشرًا هامًا، إذ تُظهر الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي. مع ذلك، لا تُشكّل هذه المعلومات أهمية كبيرة لشركتي أوبن إيه أي وأنثروبك لأنهما لا تبيعان بنية تحتية سحابية، بل تدفعان مبالغ طائلة لاستضافة نماذج الذكاء الاصطناعي التي تُقدّمانها لعملائهما.
قد يكون ملف الاكتتاب العام الأولي لشركة سيريبراس مفيدًا للمستثمرين. فقد طرحت الشركة، المُصنّعة للرقائق الإلكترونية التي تُنافس إنفيديا في قطاع مُحدّد من صناعة الذكاء الاصطناعي، أسهمها للاكتتاب العام في مايو، مُقدّمةً للسوق أول تجربة حقيقية لشركة مُتخصّصة في الذكاء الاصطناعي.
وبصفتها شركة مُصنّعة للأجهزة، تعمل سيريبراس في مجال توليد الرموز الرقمية. وتُنافس شركات تصنيع الرقائق الأخرى لبناء أنظمة الحوسبة الأكثر تطورًا. وتُشير الشركة إلى أن شريحتها الحالية أكبر بـ 58 مرة من مُعالج إنفيديا المُسمّى B200، وتحتوي على 19 ضعفًا من الترانزستورات و250 ضعفًا من الذاكرة.
زيادة إنتاجية الذكاء الاصطناعي
تقول سيريبراس إن النماذج الأكثر ذكاءً تساهم، إلى جانب الاستدلال السريع، في زيادة إنتاجية الذكاء الاصطناعي. وبما أن الرموز الرقمية هي الوسيلة التي يُحوّل بها الذكاء الاصطناعي الحوسبة إلى ذكاء، فإن استهلاك الرموز الرقميـــة ينمــــو بشكـــلٍ مُطّرد. ولأن سيريبراس تُولّد الرموز الرقمية بسرعة أكبر، تعتقد أنها في وضع ممتاز للغاية لتحقيق النجاح في هذا السوق.
تتمثل مهمة سيريبراس في تطوير أجهزة عالية الجودة تجذب شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك لاستخدامها في تطبيقات متطورة. في يناير، وقّعت سيريبراس اتفاقية لتزويد أوبن إيه آي بقدرات حاسوبية تزيد قيمتها على 10 مليارات دولار حتى عام 2028. ويقتصر استخدام النسخة التجريبية البحثية من Codex Spark، التي تستخدم رقائق سيريبراس، على المشتركين في باقات الاشتراك الشهرية المتميزة.