ما تمَّ إعلانه من اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ليس اتفاق سلام بالمعنى الحرفي، إنما «مذكرة تفاهم» تشكل إطاراً سياسياً للانتقال إلى جولات متعددة من المفاوضات تستمر شهرين يتم فيها بحث للقضايا الخلافية الأساسية التي أدت إلى الحرب الأخيرة، والتي وضعت العالم على شفير حرب أوسع مع تداعيات كارثية جراء إغلاق مضيق هرمز الذي يشكل شريان حياة للطاقة العالمية.
لكن التوصل إلى «مذكرة التفاهم» لم يكن سهلاً، بل رافقها شدٌ وجذبٌ وتهديدٌ ووعيدٌ وضغوطٌ، وخلافاتٌ حول الكلمات والفواصل والنقاط والتعابير، مثل «وقف إطلاق النار» أو «وقف الحرب»، وهل يشمل ذلك لبنان أم لا؟، ومع ذلك تواصلت الجهود اليومية الشاقة لتجسير الخلافات من جانب العديد من الدول، وخصوصاً باكستان وقطر للإبقاء على خط التفاؤل، والحؤول دون العودة إلى نقطة الصفر وانهيار كل الآمال التي عقدت على هذه الجهود.
وفي اللحظات الأخيرة، قبل ساعات من إعلان التفاهم واجهت كل هذه الجهود اختباراً صعباً بعدما أثارت غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت مخاوف داخل الإدارة الأمريكية ولدى الوسطاء من انهياره وعودة التصعيد العسكري، ما اضطر القادة المنخرطين في المفاوضات على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع طهران للمضي قدماً نحو توقيع التفاهم.
المهم أن هذه الجهود أثمرت في نهاية المطاف عن «مذكرة التفاهم» التي وافق عليها الطرفان باعتبارها تشكل إطاراً لوقف الحرب والانتقال إلى مفاوضات أكثر شمولاً بعد التوقيع الرسمي عليها يوم الجمعة المقبل في سويسرا، على أن يسبق ذلك إطلاق سلسلة من الاجتماعات الفنية التي تمهد للمفاوضات التي تستمر ستين يوماً، وتشمل القضايا الخلافية الأساسية وأهمها البرنامج النووي الإيراني وقضايا أخرى لم تحددها «مذكرة التفاهم» ومن بينها الأرصدة الإيرانية المجمدة والبرنامج الصاروخي الإيراني ودور طهران الإقليمي، وتثبيت شكل جديد من العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، لذلك فإن نجاح المفاوضات يعتمد على مدى القدرة في معالجة هذه الملفات، والالتزام في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وفي حال النجاح فإن ملامح مرحلة جديدة سوف يتم رسمها للمنطقة في إطار التحولات العالمية الجارية.
لا شك أن العالم يترقب ما يمكن أن تخرج به المفاوضات، ولذلك فإن ردود الفعل على التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران كانت إيجابية من معظم دول المنطقة والعالم، إذ رأت فيه تطوراً مهمّاً من شأنه استعادة الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، ويمهد الطريق لمعالجة القضايا العالقة مع دول الجوار، وإرساء شكل جديد من العلاقات يقوم على التعاون ويدعم السلام، والتعامل مع مرحلة المفاوضات القادمة بروح إيجابية وصولاً إلى وضع حد نهائي لدوامة العنف، ومراعاة مصالح جميع الأطراف واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وفتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي.
ولعل من بشائر هذا الاتفاق أن مضيق هرمز بدأ يشهد زيادة كبيرة في حركة الملاحة ما يعطي أملاً بأن شرايين الطاقة العالمية عادت للحياة وبدأت تعمل.