الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

ما وراء الـ 300 مليار دولار.. ما الذي ينتظره الخليج من إيران؟

17 يونيو 2026 00:29 صباحًا | آخر تحديث: 17 يونيو 00:33 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أثار تصريح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس عن إمكانية تمويل صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة قد تصل إلى 300 مليار دولار كثيراً من الجدل، وكما يحدث غالباً في النقاشات السياسية، انتشر الرقم بسرعة أكبر من فهم معناه.
روّج بعض المؤيدين للنظام الإيراني للأمر وكأنه تعويضات ستُدفع لإيران، وصوّروه على أنه مكافأة ودعم لنظام دخل في صراعات مع جيرانه ثم خرج رابحاً في النهاية! لكن قراءة أكثر واقعية ومنطقية لما قيل، ولما يُناقش في الكواليس السياسية، تشير إلى أن الفكرة مختلفة تماماً.
فما يُطرح -إن صح- ليس منحاً مالية لإيران، بل تصور يقوم على استثمارات طويلة الأجل وإعادة دمج الاقتصاد الإيراني في محيطه الإقليمي والعالمي مقابل التزامات إيرانية سياسية وأمنية واضحة. وبعبارة أخرى، فإن الحديث ليس عن تمويل النظام الإيراني بقدر ما هو محاولة لتغيير البيئة التي يعمل فيها.
وهذه الفكرة ليست جديدة في التاريخ. فبعد الحرب العالمية الثانية لم يكن الغرب يواجه دولة ألمانية مدمرة فقط، بل كان يواجه سؤالاً أكبر: كيف يمنع تكرار ما حدث؟ فقد كان من الممكن إبقاء ألمانيا ضعيفة ومعزولة، لكن الغرب اختار مساراً مختلفاً، جاءت خطة مارشال، وتدفقت الاستثمارات، وأُعيد بناء الاقتصاد الألماني، وتم دمج ألمانيا في النظام الاقتصادي والسياسي الغربي.
لم يكن الهدف مكافأة ألمانيا على ما فعلته، بل منع تكراره، وكان الرهان على أن دولة أكثر انفتاحاً وارتباطاً بمصالح اقتصادية مشتركة ستكون أقل ميلاً إلى السياسات التي تهدد الاستقرار.
يبدو اليوم أن بعض من يفكرون في مستقبل العلاقة مع إيران ينطلقون من منطق مشابه، فبعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط والتوترات والصراعات الإقليمية، يبرز سؤال مختلف: هل يمكن أن يكون الاستثمار أكثر فاعلية من المواجهة المستمرة؟
من هذه الزاوية، فإن الحديث عن صندوق إعادة إعمار لا يتعلق فقط بإصلاح طرق أو موانئ أو شبكات كهرباء داخل إيران، بل بإعادة تعريف الحوافز السياسية والاقتصادية التي تحكم سلوك الدولة الإيرانية.
دول الخليج تحديداً لديها مصلحة مباشرة في هذا المسار، فهي ليست بحاجة إلى إيران ضعيفة أو منهارة بقدر حاجتها إلى إيران مستقرة وقابلة للتنبؤ بسلوكها، ليست بحاجة إلى اقتصاد إيراني معزول ينتج الأزمات، بل إلى اقتصاد مندمج ينتج المصالح المشتركة، وليست بحاجة إلى نظام يرى نفوذه في الصراعات والأذرع المسلحة، بل إلى دولة ترى مستقبلها في التنمية والازدهار والتكامل الاقتصادي.
ومن اللافت أن هذا المسار، إذا تحقق، لن يكون تحولاً مفاجئاً في الموقف الخليجي، بل امتداداً لموقف تبنته دول الخليج طوال الأزمة، فمنذ البداية كانت العواصم الخليجية من أكثر الأطراف تحذيراً من مخاطر الحرب وتداعياتها على المنطقة والاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة الدولية، وفي الوقت الذي راهن فيه كثيرون على الحسم العسكري، كانت دول الخليج تدعو إلى خفض التصعيد والحلول السياسية.
واليوم، وبعد أن أظهرت الحرب حدود القوة العسكرية وحدود سياسة الضغوط المتبادلة، تعود إلى الواجهة فكرة مختلفة: الاستقرار أولاً، ثم التنمية، ثم بناء المصالح المشتركة... ومن هذه الزاوية يمكن فهم أي حديث عن استثمارات أو برامج إعادة إعمار محتملة، ليس باعتبارها تنازلاً لإيران، بل باعتبارها محاولة لبناء شرق أوسط أقل اعتماداً على الصراع وأكثر اعتماداً على الاقتصاد.
ومن المهم أيضاً التمييز بين الاستثمار والتعويضات، فدول الخليج لم تكن الطرف الذي أشعل هذه الأزمة، بل كانت من أكثر الأطراف حرصاً على تجنبها، كما أنها تعرضت خلال الأشهر الماضية لهجمات واعتداءات إيرانية مباشرة على منشآت مدنية وحيوية، وتكبدت خسائر كبيرة لذلك، فإن تصوير أي استثمارات محتملة على أنها «تعويضات لإيران» غير صحيح، لأنه يتجاهل حقيقة أن دول المنطقة نفسها تحملت أضراراً وخسائر نتيجة هذا التصعيد.
كما أن التصريحات الأمريكية لم تقدم الرقم المتداول باعتباره التزاماً حكومياً خليجياً مباشراً، بل أشارت إلى أن أي أموال محتملة ستكون مرتبطة باستثمارات ومشاريع طويلة الأجل يمكن أن تشارك فيها شركات ومؤسسات استثمارية وصناديق سيادية، وليس عبر تحويل أموال حكومية أو منح مالية غير مشروطة، وهذا فارق جوهري غاب عن كثير من النقاشات التي رافقت تداول رقم ال300 مليار دولار. ولهذا، فإن السؤال ليس ما إذا كانت دول الخليج ستستثمر في إيران أم لا، وإنما ما الذي ينتظره الخليج من إيران؟ والإجابة لا تبدو معقدة.
فالاستثمار وحده لا يغير الدول، لكن الاستثمار المرتبط بالإصلاح والانفتاح والالتزام بقواعد الجوار قد ينجح أحياناً فيما تعجز عنه العقوبات والحروب، وربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى فكرة صندوق إعادة إعمار إيران -إذا تم إيجادها- باعتبارها مساعدة لإيران، بل باعتبارها استثماراً في شكل مختلف وجديد من الشرق الأوسط، شرق أوسط تكون فيه المصالح الاقتصادية أكبر من دوافع الصراع، وتصبح فيه التنمية أكثر جدوى من المواجهة.
@MEalhammadi
*كاتب صحفي

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة