الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

استيلاء الصين على أراضٍ زراعية أمريكية

18 يونيو 2026 22:34 مساء | آخر تحديث: 18 يونيو 22:35 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
انتشرت رواية متكررة في الخطاب السياسي الأمريكي، مفادها أن الصين تشتري بهدوء مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الأمريكية، ما يهدد الأمن الغذائي، ويقوض السيادة، ويكتسب تدريجياً سيطرة استراتيجية على القاعدة الزراعية الأمريكية.
إنها قصة مؤثرة عاطفياً، تجمع بين التنافس الجيوسياسي، وتراجع الثقة في المؤسسات، ومخاوف التراجع الوطني. ومع ذلك، وكما هو الحال مع العديد من الادعاءات التي تكتسب زخماً بالتكرار، فإن أسسها التجريبية ضعيفة.
باختصار، توجد ملكية صينية للأراضي الزراعية الأمريكية، لكن نطاقها أصغر بكثير مما يُصوَّر عادةً، والآثار الاقتصادية أقل وضوحاً، وأي مخاوف حقيقية مهمة أضيق نطاقاً وأكثر تحديداً وأقل إثارة، مما تدعيه وسائل الإعلام.
نبدأ بالأرقام. يمتلك المستثمرون المرتبطون بالصين ما يقارب 250 ألف فدان من الأراضي الزراعية الأمريكية، وذلك بحسب الموسم وطريقة الإبلاغ المستخدمة. قد يبدو هذا الرقم كبيراً في حد ذاته، لكن السياق مهم. تملك الولايات المتحدة ما يقارب 880 إلى 900 مليون فدان من الأراضي الزراعية. وبالتالي، فإن ملكية الصين تُعادل 0.02% تقريباً من إجمالي الأراضي الزراعية الأمريكية: وهو هامش ضئيل جداً من الناحية الاقتصادية الكلية، حتى ضمن فئة جميع الأراضي الزراعية الأمريكية المملوكة لأجانب، تُمثل الصين أقل من 1%. بعبارة أخرى، فإن الادعاء بأن الصين «تستحوذ على الأراضي الزراعية الأمريكية» لا تدعمه البيانات المتاحة.
في الواقع، تبدو الصورة الأوسع لملكية الأجانب مختلفة تماماً، عن تلك التي تُطرح غالباً في النقاشات السياسية. تمتلك الكيانات الأجنبية مجتمعةً ما يقارب 43 إلى 46 مليون فدان من الأراضي الزراعية الأمريكية، أي ما يقارب 3 إلى 4% من الإجمالي الوطني. ومع ذلك، فإن الأغلبية العظمى من هذه الملكية لا تأتي من خصوم جيوسياسيين، بل من حلفاء وشركاء تجاريين تربطهم علاقات طويلة الأمد. تمتلك كندا وحدها ما يقارب ثلث الأراضي الزراعية الأمريكية المملوكة لأجانب: من 13 إلى 15 مليون فدان، أي ما يعادل من 40 إلى 60 ضعف المساحة التي تملكها الصين. وتمتلك هولندا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا والبرتغال ودول أوروبية أخرى مجتمعةً ملايين الأفدنة الإضافية. لو كانت المساحة وحدها تشكل تهديداً اقتصادياً، لكان الاهتمام السياسي مختلفاً تماماً.
يُلاحظ تركيزٌ خاصٌّ للعنصر الصيني في هذه القصة، إذ ترتبط أكثر من 80% من الحيازات الزراعية الصينية بعددٍ محدودٍ من الكيانات، أبرزها استحواذ الصين على شركة سميثفيلد للأغذية عام 2013، وقد أدّت هذه الصفقة وحدها إلى وضع ما يقارب 146 ألف فدان تحت ملكية صينية. ومع ذلك، حتى هنا، يميل البُعد السياسي إلى طغيان البُعد الاقتصادي. فما زالت سميثفيلد شركة إنتاج أمريكية، تعمل بشكلٍ رئيسي عبر سلاسل التوريد والعمال والمرافق والإنتاج المحلي الأمريكي. ورغم تغيّر هيكل ملكيتها وسط معارضة شديدة من جماعات المصالح، فإن الشركة لم تتحوّل فجأةً إلى أداةٍ للسيطرة الزراعية الأجنبية، فالشركة تُنتج في المقام الأول للمستهلكين الأمريكيين، وتعمل ضمن إطار المؤسسات التنظيمية والقانونية الأمريكية.
جغرافياً، تتركز الحيازات المرتبطة بالصين في عدد محدود نسبياً من الولايات، بما فيها تكساس، وكارولاينا الشمالية، وميسوري، ويوتا، وفلوريدا، مع حيازات أصغر متناثرة في أماكن أخرى. وحتى في هذه الولايات، لا تمثل الملكية الصينية عادةً سوى أقل من 1% من إجمالي المساحة الزراعية. ولا يوجد دليل يُذكر على أن هذه الملكية تؤثر بشكل ملموس على الإنتاج الزراعي، أو أسعار السلع، أو توافر الغذاء، أو أسواق الأراضي بشكل عام. ولا تزال الولايات المتحدة من أكبر وأكثر الدول إنتاجية في تصدير المنتجات الزراعية في العالم، ولا يوجد أي تحليل منطقي للبيانات يشير إلى أن ملكية الصين للأراضي تُهدد الأمن الغذائي الأمريكي.
إن تجاهل الأمر برمته سيكون خطأً. هناك مخاوف، لكنها أضيق بكثير مما يُوحي به مُثيرو الذعر. أول هذه المخاوف يتعلق بقربها من مواقع عسكرية أو استراتيجية حساسة. وقد أثارت العديد من عمليات شراء الأراضي المقترحة أو المنجزة المرتبطة بالصين تدقيقاً بسبب قربها من منشآت عسكرية أو بنية تحتية حيوية. 
* مدير قسم الاقتصاد والحرية الاقتصادية وباحث أول في معهد البحوث الاقتصادية الأمريكية (AIER) المصدر: ذي أميريكان ثنكر

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة